fbpx
ملف عـــــــدالة

التحفظ… السيف المسلط على رقاب القضاة

عدم وجود تفسير محدد يفتح باب التأويلات والقضاة يعتبرونه محاولة لكبح حقهم في التعبير

مع انطلاق جلسات المجلس الأعلى للقضاء، وبالأخص تلك التي تخص المتابعات التأديبية في حق القضاة أثير استفهام عميق حول بعض المتابعات التي تخص واجب التحفظ والوقار والكرامة، وماهي تلك المفاهيم وحدودها، ومدى تعارضها مع حرية التعبير الذي يمنحه الدستور المغربي، خاصة في الفصل 111 منه الذي ينص على  أن “للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية”. حالة المستشار محمد الهيني والقاضي رشيد العبدلاوي، المحالان على المجلس الأعلى بشأن التهم السابقة شكلت محور نقاش “الصباح” مع ثلة من القضاة حول تلك المفاهيم، خاصة أن مفهوم التحفظ الذي تحدث عنه الدستور المغربي بشأن القضاة جاء عاما، وليس هناك أي نص قانوني يحدد مفهومه وحدوده، مما يجعل عملية الإسقاط تعتريها في حالات عدة، نوعا  التفسير الواسع لأفعال قد لا ترتقي إلى مخالفة مهنية تستوجب المساءلة.

الهيني: القاضي لا يمكن أن يسأل تأديبيا إلا عن الأخطاء الخطيرة

إبداء القاضي رأيا معينا بمناسبة مقال أو ندوة معينة لا يمكن أن يعتبر مساسا بالوقار أو الكرامة

نص الفصل 58 من النظام الأساسي للقضاة على أنه ” يكون كل إخلال من القاضي بواجباته المهنية أو بالشرف أو بالوقار أو الكرامة خطأ من شأنه أن يكون محل متابعة تأديبية”.
إن القاضي لا يمكن أن يسأل تأديبيا إلا عن الأخطاء الخطيرة المرتبطة بسلوكات الوظيفة أو أعمالها، وتلك قاعدة تهدف إلى تجنيب المجلس الأعلى للقضاء من النظر في الكثير من الأخطاء التي من شأن تحريك المتابعة بشأنها إضفاء مجرد تراكم عددي يضاعف عمل المجلس، ويأخذ من وقته ويبعده عن دراسة الملفات الشائكة التي تقتضي بحثا وتحقيقا معمقا ومداولات وقرارات حاسمة ينتظرها الجميع.
ولا شك أن كثيرا من واجبات القاضي ترجع إلى الضمير وإلى المسلك العام، لكن ذلك لا يمنع من مساءلته عن أفعال محددة، وليس عن أفعال  عامة حتى لا يتم النفخ والتضخيم  في سلطة التأديب وإبعادها عن تحقيق أهدافها لتشمل أمورا سطحية ومختلقة.
فالخطأ المهني القضائي هو الخطأ الذي يقع من القاضي أثناء ممارسة عمله أو بمناسبته، وبهذا التعريف يخرج عن  ماهية الخطأ المهني التصرفات والالتزامات والعقود الصادرة عن القاضي في المجال الأسري  والعقاري  والمدني  كالبيع والشراء والكراء  والرهن ونحوه، لأنه يبرمها بصفته مواطنا له الحقوق نفسها وعليه من الالتزامات، وهكذا فإن وقوع خلاف أو منازعة قانوينة أو قضائية بشأنها يخول للطرف المتضرر اللجوء للقضاء، ولا يمكنه التشكي أمام المجلس الأعلى للقضاء لأنه مجلس تأديبي مهني يحاكم تصرفات مهنية وليس محكمة، ومن ثم لا يملك الفصل في المنازعات القانونية والقضائية المثارة سواء بين القضاة أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم من المواطنين، لأن تخويله النظر في مثل هذه القضايا فيه مصادرة لاختصاص القضاء الأصيل والطبيعي للفصل فيها، لأن اختصاص القضاء متصل بالنظام العام، وهو اختصاص مطلق لا يمكن أن تشاركه فيه أي جهة إدارية آخرى تحت طائلة اعتبار البت فيه قرار إداريا مشوبا بالشطط في استعمال السلطة لخرق قواعد الاختصاص.
على أن هذه القاعدة البديهية يحدها قيدان استثنائيان مهمان أولاهما أن ارتكاب أفعال أو تصرفات غير أخلاقية ولو كانت خارج ممارسة المهنة تندرج في إطار الخطأ التأديبي ما لم يشكل الأمر جرما جنائيا، الأمر نفسه ينطبق على الجرائم القصدية المرتكبة من طرف القاضي التي تعد في جميع الأحوال خطأ تأديبيا، وهنا يتعين إيقاف البت في المتابعة التأديبية إلى حين الانتهاء المسطرة الزجرية تحت طائلة عدم المشروعية.
كما أن إبداء القاضي لرأي معين بمناسبة مقال أو ندوة معينة لا يمكن أن يعتبر مساسا بالوقار أو الكرامة، لأن هذا المفهوم يتعلق بالمظهر اللائق أو السلوك المشين الماس بسمعة القضاء أو بأدبياته ورسالته، فالرأي المندرج ضمن حرية التعبير المكرسة دستوريا يمكن أن يقع تحت طائلة مخالفة واجب التحفظ في حالتي إبداء الآراء السياسية أو النقابية والخروج عن مقتضيات التجرد بمناسبة قضية رائجة.
وفي هذا الإطار ينص  الفصل 25 من الدستور على أن  حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكاله، حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة”.
فالإبداع هو إنتاج الخيال، وتستعمل فيه الدلالة الرمزية والتصويرية، ولا يمكن قراءته بالقانون الجنائي ولا القانون التأديبي، إذ الأدب هو موضوع اللذة والقراءة النقدية، وهو خيال حر وجمال لا يحاكم عليه الأديب.
وحيث إن  حرية النقد صورة من صور حرية الرأي والتعبير ، تتيح للإفراد بطريقة غير مباشرة المشاركة في الحياة العامة والإسهام في مواجهة المشكلات وإدارة شؤون الوطن وهكذا جاء في قرار صادر عن محكمة النقض:
” القذف لا يتحقق الا بنسبة واقعة معينة مشينة الى الشخص المقذوف على سبيل التأكيد، أما مجرد انتقاد شخص دون توجيه اتهام له بما يشينه، وذلك بالتساؤل عن طبيعة التسيير المالي للنادي محل النزاع فلا يعتبر قذفا حتى لو تضمن اسمه، اذ هو مجرد ممارسة لحرية التعبير”.
قرار محكمة النقض عدد 1643/10 صادر بتاريخ 25 نونبر 2009″.
كما جاء في قرار قيم للمحكمة الدستورية المصرية ما مؤداه أن “الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشؤون العامة التي لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة في أدائها والالتزام بضوابطها ومتطلبتها وفقا للقانون مقصورا على فئة من المواطنين دون أخرى، بما مؤداه أن يكون انتقاد جوانبها السلبية وتعرية نواحي التقصير فيها وبيان أوجه مخالفة القانون في مجال ممارستها، حقا لكل مواطن وفاء بالمصلحة العامة التي يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسؤولية العامة على الوجه الأكمل، ولأن الوظيفة العامة وما يتصل بها من الشؤون العامة لا تعدو أن تكون تكليفا للقائمين عليها. والتزامهم الأصلي في شأنها مقصور على النهوض بتبعاتها بما لا مخالفة فيه للقانون.
وهكذا فإن نقد الأشخاص المكلفين بمهام إدارة عمومية أو مرفق إداري بشأن أعمالهم لا يقع تحت طائلة التأثيم طبقا لما استقر عليه القضاء المقارن بأن من لا تتسع نفسيته للنقد أن يلزم بيته وألا يقبل بأن يكون مسؤولا، وما  خلص إليه قرار شهير لمحكمة النقض الفرنسية بأنه ﻻ يمكن لمن يتولى المناصب والمسؤولية في تسيير الشأن العام أن يحصن سياساته من النقد حتى لو تضمن عبارات تقدح في كفاءته و قدرته على حسن اﻻدارة.
إن الأجدى والأنفع أن لا يتم إحالة جميع المخالفات على المجلس الأعلى للقضاء بدون حصر وتحديد مواطن العثرات ومكامن الزلل بدون تساهل مما يسقطنا في خطر الجمود والتعميم وضررها على القاضي والعدالة أكثر من نفعها ، بأن ينصب روح عمل المجلس على ما يستحق ويصلح كأساس للعقاب بالنظر للاعتبارات العامة والغائية المستهدفة من تحقيق المصلحة القضائية وليس الردع بنوعيه العام والخاص.

التأديب ليس ملكية خاصة

من المهم الإشارة أن التأديب ليس ملكية خاصة لجهة المتابعة تستعمله متى تشاء وبدون ضوابط قانونية، وإنما نظام قانوني يستهدف تخليق الممارسة القضائية بهدف حماية حقوق وحريات المتقاضين وصيانة قواعد سير العدالة. لكن يبدو أن الانقلاب على مسلسل إصلاح منظومة العدالة قد تطور، ما دام أن وزارة العدل قد جعلت رؤوس القضاة المحركين لدينامية هذا الإصلاح هدفا للمتابعات التأديبية والاستدعاءات الترهيبية من طرف المفتشية العامة التابعة لها، وهكذا أصبح التأديب مدخلا للتأثير على استقلالية القضاء كمؤسسة والقضاة كأفراد لكبح جماح الجرأة والشجاعة الأدبية للقاضي وجعله آلية صماء لقضاء التعليمات .

تصريحات المشتكي لا تكتسي حجية قانونية في الإثبات

جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 5 يناير  1995، وحيث إن الإدارة ذكرت أسبابا لتبرير قرارها دون أن تدلي بما يثبت صحة هذه الأسباب من الناحية الواقعية، الشيء الذي يجعل قرارها مشوبا بالتجاوز في استعمال السلطة مما يتعين معه الحكم بإلغائه، «حكم عدد 7 ملف 82-94».
كما جاء في قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 10 غشت 1984» إذا كانت للمجلس التأديبي صلاحية تقدير الحجج لتكوين قناعاته فإنه يجب أن يبني مقرره التأديبي على وقائع ثابتة ومعينة ومحددة فلا تكفي مجرد عموميات» مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 39 ص 162.ويتعين التمييز بين الفروق القانونية بين المشتكي والشاهد والمصرح والضحية، لأن  الاعتماد على شكاية المشتكي للتحقق من المخالفة التأديبية دون إبراز الطبيعة القانونية والوصف القانوني للتصريح المعتمد لتبرير المستنتجات يجعله كأن لم يكن، إن هذا الخلط في هذه المؤسسات القانونية التي تختلف اختلافا جذريا في تقدير تصريحاتها سيؤثر على الوصف القانوني للوقائع وعلى سوء تقديرها.ذلك أن تصريحات المشتكي لا تكتسي أي حجية قانونية في الإثبات لأنها دائما موضوع ريبة وشك نابعة من إرادة منحازة وحاقدة وعدوة .

إنجاز: كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق