fbpx
حوادث

دراسة في القانون : المعوقات التشريعية والقضائية لفعالية التصدي للعنف الأسري (3/3)

ناصر بلعيد
ناصر بلعيد
التنظيم القضائي القائم لن يساهم في الحد من جرائم العنف الأسري

نرى أنه يتعين أن يكون الاختصاص القضائي منعقدا بشكل حصري لمحاكم الأسرة، فيما يتعلق بالنظر الموحد في النزاعات الأسرية وجرائم العنف المرتكبة داخل الأسرة، على اعتبار أنها مؤهلة لذلك بحكم اطلاعها الجيد على كل جوانب القضايا المعروضة عليها سواء المتعلقة بالشق المدني أو بالشق الزجري. بينما الإبقاء على تفريق الاختصاص المعتمد حاليا في قانون التنظيم القضائي ، بجعل قضاء الأسرة يبت فقط في القضايا المتعلقة بالنزاعات الأسرية، دون النظر في الجانب الزجري  كجرائم العنف المرتكبة بين أفراد الأسرة، في مقابل ذلك احتفاظ المحاكم العادية غير الأسرية باختصاصاتها، فالأمر فيه نظر، على أساس أن وقائع القضايا ستكون مبتورة وغير مكتملة، فيما إذا عرض الجزء المدني منها على محكمة الأسرة وعرض الجزء الزجري منها على محكمة أخرى، إذ باختيار هذا النوع من الاختصاص القضائي ستغيب عدة وسائل للإثبات والإقناع في صورتها السليمة، كما ستدفع المتقاضي إلى اختيار سلوك مسطرة وحيدة بحكم اختلاف المساطر القانونية، بحيث غالبا ما يكون المتقاضي في هذه الحالة طرفا ضعيفا الذي تمثله المرأة  والطفل، إذ سيختار سلوك المسطرة القضائية أمام محكمة الأسرة متنازلا في أحيان كثيرة عن حقه في مباشرة إجراءات التقاضي أمام المحكمة الزجرية،  لأن هذا الطرف الضعيف يكون عادة في وضعية نفسية مهزوزة لا ينتظر سوى وضع حد لمعاناته بسبب العنف الجسدي أو الاقتصادي المرتكب ضده عن طريق المطالبة إما بالتطليق أو بالنفقة أو تغيير الحاضن.
وبذلك نستنتج أن التنظيم القضائي القائم حاليا لن يساهم في الحد من جرائم العنف الأسري بشكل فعال، لذا يتعين على المشرع التفكير في التدخل من أجل تعديل قانون التنظيم القضائي بتحويل أقسام قضاء الأسرة إلى محاكم للأسرة مستقلة قضائيا وإداريا عن باقي المحاكم الموازية لها، مع جعلها مختصة بشكل حصري للنظر إضافة للنزاعات الأسرية المدنية، جرائم العنف الأسري، ومع إحداث نيابة عامة متخصصة لدى هذه المحاكم نفسها للبحث والتقصي ومتابعة مقترفي هذه الجرائم وإشرافها على شرطة قضائية متخصصة في ذات الموضوع، وذلك لغرض التأسيس لقضاء متخصص في مناهضة الجريمة الأسرية بجميع أنواعها.      
وكنقطة يمكن مناقشتها في هذا الموضوع والتي تتعلق بضرورة اعتماد مبدأ تخصص القضاة من أجل مناهضة العنف الأسري بشكل فعال. فمن أجل مواجهة هذه الظاهرة بواسطة القضاء لابد إلى جانب اعتماد اختصاص قضائي، التوفر على قضاة متخصصين للبت في القضايا الزجرية والمدنية الناشئة عنها، وأن يتوفرون على الكفاءة والتكوين اللازمين، الذي يمكنهم من الإطلاع بأدوارهم بشكل مناسب وفعال للحد من أثار هذه الظاهرة، وللوصول إلى تحقيق الردع بشقيه الخاص والعام.
 وبذلك ولتدعيم إرساء نظام قضائي متكامل لمناهضة العنف الأسري بالشكل الأمثل، يجب التفكير في تعزيز تنمية قدرات القضاة المهنية، وذلك منذ فترة تكوين القضاة المتدربين بالمعهد العالي للقضاء، بحيث تعتبر هذه المرحلة مهمة، جدا فبالإضافة إلى التكوين العام الذي يتلقاه القاضي المتدرب في المجالات القضائية العامة، يجب إدراج مواد قانونية وقضائية متخصصة في مجال مناهضة العنف الأسري، تلقن للقاضي المتدرب الذي يتم تهيئه ليكون متخصصا في هذه القضايا، مع ضمان استفادته من دورات تكوينية عملية وأوراش علمية مستمرة داخل وخارج أرض الوطن، وذلك من أجل تنمية معارفه ومهاراته المهنية، حتى يستطيع مواجهة جميع الإشكاليات الناتجة عن القضايا المذكورة، بحكم أن مهمته لن تقتصر على الردع فقط، وإنما يجب أن يتدرب على تقنيات إجراء الصلح لرأب الخلافات الأسرية لما فيه خير للأسرة بشكل عام، وكذا أهمية دراسته لعلم النفس والاجتماع، وللعلوم الإنسانية المتعلقة بالدراسات الإسلامية المرتبطة بالموضوع، خاصة الإرشاد والوعظ، علما أن مثل هذه التجربة قد لقيت نجاحا كبيرا في تجارب مماثلة تتعلق بمواضيع مختلفة كالقضاء التجاري والقضاء الإداري، بحيث ظهرت نتائجها بشكل ايجابي في الممارسة العملية. فمن خلال تجاوز هذا المشكل على مستوى الفترة التكوينية، سيمكن قضاة المستقبل من الأسس الضرورية لمباشرة مهامهم في مجالات محاربة العنف الأسرية وإن كان ذلك على حساب تمديد فترة التكوين بالمعهد المذكور.
ونشير إلى أن الجهات القضائية والحكومية المختصة قد بادرت إلى خلق خلايا دائمة لمحاربة العنف ضد النساء والأطفال بجميع المحاكم الابتدائية والاستئنافية للمملكة، التي تتكون من القضاة والأطر الإدارية ومساعدين اجتماعيين وشرطة قضائية بالمصالح الأمنية كالدرك الملكي والأمن الوطني، وبعض المصالح الخارجية المتدخلة في الموضوع، وذلك بغية الحد من هذه الظاهرة، إذ تتكون هذه الخلايا في شقها القضائي من قضاة ممثلين للنيابة العامة وقضاة الرئاسة، تنحصر مهامهم حسب اختصاصاتهم في تلقي الشكاوي موضوع العنف الأسري بجميع صوره، و الأمر بالبحث والتحري فيها وتكييف محاضر الأبحاث، والقيام بالمتابعات اللازمة، وبالإجراءات المؤقتة والمستعجلة لحماية الطرف الضعيف في الأسرة، والسهر على المحاكمات إلى غير ذلك من المساطر القضائية، بحيث يلاحظ أن هناك مجهود جبار من أجل وضع إطار مؤسساتي استثنائي، إلا أن نتائجه رغم ايجابياتها المرصودة لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب.
وإذا سلمنا بهذه التجربة الجديرة بالاهتمام لتحقيقها الجزء اليسير من أهدافها المسطرة سلفا، فإنه بالمصادقة على مشروع القانون المتعلق بمناهضة العنف الأسري، سيتم تجاوز أغلبية المعوقات التشريعية والقضائية المذكورة، لضمان مناهضة فعالة لهذا العنف، شريطة مناقشته مناقشة مستفيضة من قبل الجهات التشريعية المختصة مع إدخال التعديلات القانونية للازمة، بعد الاستشارة مع منتسبي جميع المهن المتدخلة، لاسيما الخبراء القانونيين والقضاة المهتمين بشأن الأسرة، من أجل ضمان صدور قانون شامل وناجع وفعال يحد من ظاهرة العنف الأسري الذي أصبح مستشريا في الأسر.  

 بقلـم: ناصر بلعيد , باحث في صف الدكتوراه بجامعة محمد الخامس السويسي الرباط ، عضو نادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى