fbpx
منبر

الهوامل والشوامل : مصالحةٌ بين الثورة والدولة في مصر

عبد الإله بلقزيز لم تَدُرِ المنافسةُ في الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها محمد مرسي قبل عاميْن، بين مرشح “الفلول” ومرشح “الثورة”، مثلما قيل وكُتبَ على نطاق واسع في ذلك الحين، فلا الفريق أحمد شفيق كان من فلول النظام السابق، ولا محمد مرسي كان مرشح الثورة، وإنما أريد بهاتين التسميتين أن تصنَعا الإيحاء الضروري بأن المصريين مخيَّرون بين التقدم وبين التقهقر ، بين اقتحام الآفاق التي فتحتها لهم 25 يناير 2011، للظفر بالحرية والعدالة والكرامة، وبين العودة إلى العهد السابق الذي ثاروا عليه في 25 يناير، وأسقطوا كبار رموزه.
وكان من شأن مثل هذه المقابلة التقاطبية بين العهد السابق والثورة، أو هذا الإيحاء بها، أن يولّد شعوراً بالحرج العامّ عند الناخبين – وهو قد ولَّدهُ فعلاً – يدفعهم إلى التصويت لصالح “مرشح الثورة”، وهذا عين ما حصل لدى القسم الكبير ممّن لم يكونوا مقتنعين بمحمد مرسي كمرشح مناسب لمنصب رئيس الدولة، أو ممن لديهم حساسية من جماعة “الإخوان المسلمين” ككل، ومن استلامها منصباً في إدارة سلطة الدولة مثل منصب الرئيس.
ثمة مسوِّغ آخر للتسمية غير التعبئة السياسية للجمهور، وغير الرغبة في إسقاط الفريق أحمد شفيق هو: تبرير التحالف مع مرشح “الإخوان المسلمين” من قِبَل من تحالفوا معه من قوميين ويساريين وليبراليين في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة. كان ينبغي، تبعاً لهذا، أن يصير محمد مرسي مرشحاً للثورة  حتَّى يتبرّر لجمهور حمدين صَبَاحي وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمد البرادعي والليبراليين، عموماً، أن يصطفَّ وراء المرشح محمد مرسي، وأن يدعمه في مواجهة أحمد شفيق. ولم ينتبه أحدٌ من هؤلاء الذين سمّوا أحمد شفيق مرشحاً للفلول أنهم، بهذه التسمية، يتبرعون للفلول (=نظام مبارك) باعترافٍ سياسي بأنهم يمثلون نصف الشعب المصري (=حيث حصل شفيق على نصف الأصوات)، وأن النظام – بالتالي – مازال يحظى بتأييد نصف المجتمع بعد 25 يناير! فماذا يعني أن يتحالف الإسلاميون – إخوانا وسلفيين – والناصريون والليبراليون واليساريون وشبابُ ميدان التحرير في وجه “مرشح الفلول”، فلا يفوزون إلاّ بفارقٍ ضئيل؟ أليس في ذلك مطْعَنٌ في ثورتهم الينايرية، وفضحٌ لتوازنٍ هش بين قوتها الاجتماعية والقوة الاجتماعية للفلول؟!
لم تكُنِ المنافسةُ حينها، إذاً، بين “مرشح الفلول” و”مرشح الثورة”، كانت “بالأحرى – بين مرشح الدولة ومرشح الجماعة. وما كان يَسَعُ مرشح الجماعة أن يكسب المنافسة مع مرشح الدولة لولا أن جمهور 25 يناير صوّت لصالحه نزولاً عن رغبة التيارات القومية والليبرالية المتحالفة مع الجماعة. هكذا دفعت المعارضة الوطنية ثمن الخطإ السياسي الفاحش الذي ارتكبته، حينها، عندما خلطت بين الدولة والنظام السياسي، فلم تَرَ في الأولى – ومرشحها – سوى الثاني! وهو عينُه الخطأ الذي ارتكبته سابقاً حين حرَّضتِ الشارع ضدّ مؤسسة الجيش “و”المجلس الأعلى للقوات المسلحة” رافعةً شعار: “يسقط يسقط حكم العسكر”، في ميدان التحرير وسواهُ من الميادين! تماماً مثلما دفعوا – قبْلاً – إلى رفع مطلب انتخاب هيأة تأسيسية لكتابة الدستور، تاركين القوى العلمانية وشباب الانتفاضة يناضلون عنه، وحدهم، في الساحات!
تَغَيَّر موقف المعارضة وشباب 25 يناير، بعد أنِ اكتووا بنار سلطة محمد مرسي والجماعة، فتصالحوا مع الدولة، وتَميَّزوا بالتدريج معناها من معنى النظام السياسي. حصلَ ذلك بعد لَأْيٍ، بدأ الطلب على تدخّل الجيش في أحداث بورسعيد والسويس، وفي مسلسل الاعتداءات على الكنائس، ومن أجل فكّ الحصار عن مدينة الإعلام وعن المحكمة الدستورية ثم ما لبث الطلب أن زاد في امتداد تفرُّد “الإخوان” بالحكم، وتجاهلهم مطالب الشارع، ليبلغ ذراهُ بعد انتفاضة 30 يونيو 2012، وصولاً إلى إزاحة مرسي من منصب الرئاسة في 3 يوليو 2012.
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (نهاية شهر ماي 2014)، حصلت منافسةٌ سياسية من نوع مختلف، وعلى قاعدة المصالحة بين الثورة والدولة. تَوَاجه مرشح الثورة (حمدين صَبَاحي) ومرشح الدولة (المشير عبد الفتاح السيسي). لكن التقاطبُ في التسمية لم يكن بهذه الدرجة من التقابل، فمرشح الثورة ازْوَرَّ عنه جمهورٌ عريض من قاعدة الثورة (=التحالف الشعبي والقسم الأعظم من حركة “تمرُّد”)، ونَقَل ولاءَهُ ودعْمَهُ للسيسي مُضيفاً عليه، بالتالي، صفةَ المرشح الثاني للثورة، أو – على الأقَل – صفةَ مرشَّح للدولة، وإنما كان – أيضاً – مرشَّح الشعب والمجتمع الأكثر حظوةً ومقبوليةً من الناس. كما أن حمدين صَبَاحي لم يكن غريباً، تماماً، عن بيئة الدولة، وإن لم يكن قد اسْتَلَم فيها منصباً، فقد كان يكفيه انتماؤُه إلى التيار الناصري، كي يصالح وعيَه النضالي مع فكرة الدولة الوطنية، وكي يدرك أيّ مكانةٍ تحتلها هذه في مشروع التغيير.
 عبد الإله بلقزيز , مفكر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق