fbpx
حوادث

دراسة في القانون : آليات تقييم العمل القضائي: تنقيط القضاة نموذجا(4/4)

   بقلم: أنس سعدون القضاء الإداري كرس رقابته على سلطة المسؤول في التنقيط

ج – الاجتهاد القضائي : إن القضاء الإداري المغربي كرس رقابته على سلطة المسؤول في التنقيط في أكثر من مناسبة، حيث جاء في أحد أحكامه : «إن الفقه القضائي استقر على أن سلطة تنقيط الموظفين وإن كانت تدخل في إطار السلطة التقديرية للإدارة، إلا أنها مع ذلك تبقى خاضعة لرقابة القضاء الإداري متى كانت مشوبة بعيب الانحراف في استعمال السلطة أو متى أعلنت الإدارة عن سبب إصدارها للقرار وردته لأسباب معينة ومحددة ( …) ذلك أن رجل الإدارة في ممارسته للاختصاصات المنوطة به قانونا، يجب ألا يخضع في تصرفاته وقراراته لما تمليه عليه الأهواء ، وإنما يجب أن يستند في كل ما يصدر من قرارات تدخل في نشاطه الإداري إلى أسباب واقعية تبرر اتخاذها حتى ولو كانت تلك القرارات تخضع لسلطته التقديرية بما يكفل تحقيق المصلحة العامة، وأن لا يؤدي ذلك الانحراف في استعمال السلطة لتحقيق أغراض شخصية حيادا على المصلحة العامة من خلال المقررات الصادرة عنه»، (حكم المحكمة الإدارية بوجدة رقم 97/2002 صادر بتاريخ 30/04/2002 في الملف عدد 1668/2001 ).
أما المبررات الواقعية والمنطقية فتجد سندها من واقع الممارسة العملية حتى قبل صدور الدستور الجديد والتي تؤكد أن بعض المسؤولين القضائيين لا يجدون حرجا في إطلاع القضاة على نشرات تنقيطهم ، كما أن عددا منهم يقوم بوضع مؤشرات التنقيط بإشراك تام للقضاة، وبالتالي فإن بعض الممارسات الجيدة والمسؤولة لعدد من المسؤولين القضائيين استطاعت أن تتجاوز سلبيات بعض الأعراف والممارسات السلبية. كما أن الأصل في الأشياء الاباحة وليس ثمة أي مقتضى قانوني صريح أو ضمني من شأنه أن يمنع القضاة على الاطلاع على نشرات تنقيطهم ومن الناحية المنطقية لا يعقل أن يكون للقضاة الحق في الطعن في المقررات المتعلقة بوضعيتهم الفردية، ومن بينها الترقية دون أن يكون لهم الحق في الاطلاع على هذه النشرات سيما أن درجة التقييم تؤثر على المسار المهني للقضاة و ترقيتهم.
وفي الأخير لا بد من تقديم بعض الملاحظات الختامية حول مبادرة نادي قضاة المغرب المتعلقة بالمطالبة برفع السرية عن نشرات تنقيط القضاة والتي نخلد الذكرى الاولى لإطلاقها تزامنا هذه السنة مع اليوم التضامني المقرر لفائدة قضاة المحكمة الابتدائية بالناظور في السابع من يونيو من العام الجاري. ويمكن اجمال هذه الملاحظات في ما يلي :
– يتعين على القضاة الاستمرار في توجيه المراسلات المقدمة إلى وزير العدل والحريات بصفته نائبا لرئيس المجلس الاعلى للقضاء مع الاهتمام بتوجيهها وفق قواعد المراسلات الادارية، أي من خلال احترام السلم الاداري ولا يجوز للمسؤول القضائي رفض توجيهها تحت أي مسمى لأن دوره يقتصر على التأشير على هذه المراسلات دون أن تكون مضامينها ومحتوياتها ملزمة له، فالتأشير على المراسلات الإدارية المقدمة في هذا المجال لا يعدو أن يكون مجرد إجراء إداري .
– نتمنى من كتابة المجلس الاعلى للقضاء أن تجيب السيدات والسادة القضاة بخصوص كتبهم المتعلقة بالإطلاع على نشرات التنقيط داخل آجال معقولة، وفي حال الرفض يجب أن يكون هذا الرفض معللا، حفظا لحق القضاة في الطعن فيه باعتباره مقررا إداريا. وهو ما يعكس التنزيل الديمقراطي لروح دستور 2011.
– يتعين على القضاة أيضا عدم الاكتفاء فقط بتوجيه كتاب للإطلاع على نشرات التنقيط وإنما توجيه تذاكير جديدة بشكل دوري من أجل وضع المجلس الأعلى للقضاء أمام مسؤولياته التاريخية وتقديم موقفه بوضوح، إما بالإسراع بالاستجابة إلى طلبات القضاة وتمكينهم من الاطلاع على نشرات تنقيطهم طالما أنه ليس هناك أي مانع قانوني أو نص يمنع ذلك، أو الإعلان الصريح والواضح بتعذر الاستجابة لهذا الطلب مع توضيح الاسباب التي ينبغي أن تكون معقولة وواضحة ومنسجمة مع التأويل الديمقراطي للدستور الجديد.
– لا بد للقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية التي هي في طور الاعداد أن تتجاوز سلبيات المنشور الحالي المنظم لتنقيط القضاة، وان كانت المشاريع المعلن عنها حاولت تبني المبادرة التي أعلن عنها نادي القضاة برفع السرية عن نشرات التنقيط، حيث يسمح مشروع النظام الأساسي للقضاة بإطلاعهم على آخر نشرة تقييم لهم بكتابة المجلس الأعلى للقضاء، فإن ذلك يبقى غير كاف إذ لا بد من تمكين القضاة من الاطلاع على جميع نشرات تقييمهم وتنقيطهم دون أدنى استثناء.
وأقول في الأخير إن مبادرة نادي قضاة المغرب بدعوة القضاة لطلب الاطلاع على نشرات تنقيطهم لا تستهدف بث روح التشكيك داخل الجسم القضائي أو احداث الفرقة والقطيعة بين المسؤولين القضائيين والقضاة، وإنما يتعلق الأمر أولا وأخيرا بمبادرة الهدف منها الدفاع عن شفافية وموضوعية نظام تقييم القضاة للقطع مع أي محاولة للإبقاء على التحكم داخل بنيات السلطة القضائية والتدخل في استقلال القضاة، لأن المطلوب في المقام الأول تكريس استقلال القضاة وليس وضع آليات للقضاء على هذا الاستقلال.

بقلم: أنس سعدون,عضو نادي قضاة المغرب
وعضو مؤسس للمرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى