fbpx
حوادث

دراسة في القانون : مدونة الشغل بعد عشر سنوات من الصدور

مولاي علي الوديع الغفيريتفاوت صارخ بين المقتضيات المنصوص عليها وواقع النسيج الاقتصادي الوطني

يتذكر الجميع الإرهاصات والصعوبات التي رافقت إخراج هده المدونة إلى حيز الوجود، مند ما يربو عن ربع قرن بسبب المواقف المتباينة لأطراف العلاقة الشغلية، إلى أن جاء الفرج بفضل الإرادة الملكية السامية التي عجلت بأن يرى هدا المولود النور وذلك بمناسبة انعقاد اللقاء الثلاثي الأطراف بميناء الجرف الأصفر سنة  2003 تحت الرئاسة الفعلية للملك محمد السادس، والتي دعا من خلالها الأطراف المعنية «الحكومة والنقابات وأرباب العمل» بضرورة الإسراع بسن قانون شغل منتج ومحفز ومشجع للاستثمار من جهة، وضامنا للحقوق الثابتة للأجراء من جهة أخرى. وبالفعل وبعد مخاض عسير وجلسات ماراطونية عديدة ضمت مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، تم التوافق في الأخير على مدونة للشغل بشكلها الحالي. استقبلت من قبل جميع المهتمين والمتدخلين بارتياح كبير ودخلت حيز التطبيق مند 8 يونيو 2004.
 وقد كانت لحظة تاريخية مفصلية، إذ لأول مرة في تاريخ بلادنا أصبح بإمكان المهتمين بالمادة الاجتماعية، الاستفادة من مرجع قانوني موحد وجامع لمختلف النصوص التشريعية، وهو الأمر الذي كان من انعكاساته المباشرة، زرع مناخ الثقة في أوساط المستثمرين المغاربة منهم والأجانب، الدين كانوا يثوقون لمدونة للشغل تحدد الحقوق والواجبات بكيفية واضحة وتساهم في إرساء أسس التنمية الاقتصادية الشاملة، وكدا العمل على ترسيخ مناخ سليم يؤدي في النهاية لإحلال سلم اجتماعي يستفيد الجميع من تبعاته .
 وبالرجوع إلى مواد المدونة البالغ عددها 586 مادة، يلاحظ أنها اتسمت بنهج أسلوب المرونة كعنوان بارز، لتقريب وجهات النظر بين الطرفين المتفاوضين، المركزيات النقابية من جهة وأرباب المقاولات من ناحية أخرى، ما أنتج لنا تشريعا متوافق عليه، وبطبيعة الحال، فإن كل قانون يخضع لمنطق التوافق، فإنه يخلف ورائه ثغرات كثيرة سنحاول الوقوف عندها لاحقا. كذلك من المبادئ الأساسية الواردة في أبواب المدونة، نجد تكريس ثقافة الحوار الاجتماعي وسيلة حضارية لفض النزاعات وتقليص الهوة بين متطلبات الاستثمار واستتباب السلم الاجتماعي، وقد جاءت مدونة الشغل حافلة بمقتضيات جد متقدمة وعصرية من خلال إقرار العديد من الآليات المجسدة للحوار الاجتماعي، نذكر على رأسها مفهوم المفاوضة الجماعية –المادة 92-  التي قفزت بالتشريع الاجتماعي المغربي لمصاف الريادة أسوة بالتشريعات الدولية الأخرى، إضافة طبعا إلى آليات أخرى كلجان المقاولة والصحة والسلامة المهنية، ومجلس طب الشغل، والنظام الداخلي للمقاولات وغيرها من المقتضيات التي لازالت لم تفعل بالشكل المطلوب، لارتباطها الوثيق بالتمثيلية العمالية التي لازالت غير معممة على العديد من المقاولات المغربية .
إن الملاحظة الأساسية التي تبدو في غاية الأهمية ونحن نحتفل بالذكرى العاشرة لدخول المدونة حيز التطبيق، تتمثل في التفاوت الصارخ بين المقتضيات الهامة والمتطورة المنصوص عليها، وواقع النسيج الاقتصادي الوطني، الذي ما زال لم يتفاعل بالشكل المطلوب مع ما تضمنته من تدابير، بالرغم من المواكبة المستمرة والفاعلة لأجهزة المراقبة التابعة لوزارة التشغيل عبر العديد من البرامج والأوراش التي أطلقتها الوزارة في السنوات الأخيرة لتوفير أنجع السبل من أجل تطبيق أمثل للتشريع الاجتماعي.
إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصبحت مكفولة بمقتضى الدستور الجديد، وهو الأمر الذي يستدعي تنزيلا للأحكام القانونية والتنظيمية، التي مازال العديد منها يراوح مكانه لأسباب ذاتية وموضوعية ترتبط أساسا بالإرادة المعلنة، ذلك أنه بالرغم من  الطفرة النوعية التي عرفها الاقتصاد المغربي في السنوات الأخيرة، فإن إقرار أسس حوار اجتماعي داخل المقاولات الإنتاجية ظل دون المستوى المرجو، ويظهر ذلك جليا في عدم النهوض بالمفاوضة الجماعية، التي من شأنها ترسيخ ثقافة التعاقد كأرضية ملائمة لتشجيع إبرام اتفاقيات الشغل الجماعية، بدل التركيز على بروتوكولات الاتفاق التي يتم اللجوء إليها لحل نزاعات طارئة دون التقيد بالتزامات محدودة في الزمان والمكان، تروم تعزيز تنافسية المقاولة وتضمن حدا أدنى من الامتيازات للأجراء.
 مع العلم أن التجارب السابقة على قلتها أظهرت أن الاتفاقيات الجماعية للشغل لا يتم اللجوء إليها إلا حينما تكون العلاقة الشغلية متوترة، في حين أن المنطق التعاقدي يقتضي توفير شروط  الرخاء والاستقرار والانسجام داخل المقاولات، لإنتاج علاقات مهنية مبنية على الحوار والتفاوض المفضي إلى التزامات واضحة تخدم مصالح جميع الأطراف . وفي هذا الصدد يجدر التنويه بالمبادرة الايجابية التي أقدمت عليها الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب بتعاون مع بعض المركزيات النقابية من أجل خلق لجان للتنسيق والتشاور للنظر في القضايا المطروحة قبل إحالتها على أنظار الجهات المسؤولة.
إن أي تشريع كيفما كان لا يمكن أن يجد له صدى في أرض الواقع، إلا إذا كان مصحوبا بآليات لتنفيذه والسهر على احترام مقتضياته، وهي مناسبة للتنويه بالجهود الكبيرة والجبارة لجهاز تفتيش الشغل بكل مكوناته الذي يعمل في صمت من أجل المساهمة في إحلال السلم الاجتماعي والحفاظ على استمرارية الوحدات الإنتاجية، ولا أدل على ذلك، أن طيلة هذه السنوات الماضية استطاع أطر هذا الجهاز العمل على تسوية أكثر من ثلثي نزاعات الشغل الجماعية قبل أن تتحول إلى إضرابات، كما ساهم بفعالية ومهنية كبيرة في تسوية نزاعات الشغل الفردية بصفة نهائية، دون أن يتم إحالتها على المحاكم المختصة تطبيقا لمقتضيات المادة 41 من مدونة الشغل، إضافة طبعا لقيامه بزيارات المراقبة لأماكن العمل على الرغم من محدودية الإمكانات المادية والبشرية التي يتوفر عليها الجهاز.
يبقى انصرام عقد من الزمن في نظري لإخراج مدونة الشغل لحيز الوجود، مناسبة سانحة لتقييم الحصيلة واستخلاص الدروس للوقوف على مكامن الخلل وعناصر الضوء، علما أن تشريع الشغل بطبيعته يبقى خاضعا في كل حين للتغيير والتعديل تماشيا مع التحديات والإكراهات التي يعرفها النسيج الاجتماعي والاقتصادي المتحول والمتطور، وارتباطا بدلك سوف نحاول تقديم بعض المقترحات التي نراها أساسية لزرع نفس متجدد في مقتضيات المدونة، وذلك من خلال :
** إنشاء مرصد وطني للشغل، يعمل على التتبع المستمر للإشكاليات التي تعوق المسار العام لمقتضيات التشريع الاجتماعي في علاقته بالمحيط الاقتصادي وانتظارات المعنيين بالأمر.
** توحيد آليات التطبيق المتعلقة ببعض بنود مدونة الشغل، بحيث أن المدونة تشترط عددا معينا من الأجراء قصد تطبيق بعض النصوص القانونية ، مثلا العدد المطلوب لإنجاز مسطرة الاستماع بحضور مندوب الأجراء، أو العدد المطلوب لوضع النظام الداخلي للمقاولات المتمثل حاليا في عشرة أجراء بدل عشرين مثلا إلى غير ذلك.
** رفع مستوى تدبير نزاعات الشغل الجماعية بكيفية تعطي صلاحيات أكبر لمندوبيات الشغل على الصعيد الوطني، خصوصا ما يهم جانب التبليغ وإجبارية حضور أطراف النزاع بعد توجيه الدعوة إليهم، مع تقوية مستوى التصالح على الصعيد المحلي، لأن التجارب السابقة أثبتت أن التصالح على هذا المستوى يكون حليفه النجاح لعدة اعتبارات أبرزها التواصل المباشر والمواكبة المتواصلة مع تسجيل استثناءات بطبيعة الحال، كما يتعين كذلك تعزيز وتقوية دور اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة.
** إحداث آلية للتنسيق بين وزارات التشغيل والعدل والداخلية للنظر في كل الإشكالات والصعوبات التي تعرقل مهام مفتشي الشغل أثناء إنجازهم لواجبهم المهني .     
**تبسيط المسطرة المتبعة حاليا فيما يتعلق بحفظ الصحة والسلامة المهنية داخل المقاولات لجعلها أكثر قابلية للتطبيق مع تعزيز قدرات جهاز تفتيش الشغل في هدا المجال ليواكب التطورات المتسارعة لمختلف التقنيات الحديثة في عالم الشغل، مع العلم أن أي قانون كيفما كان لا قيمة له إذا لم ينفد إلى أرض الواقع.
  بقلم: مولاي علي الوديع الغفيري , مفتش إقليمي للشغل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق