fbpx
خاص

فرنسا… “رجل أوربا المريض”

تعول اليوم على فالس لاستعادة تنافسيتها في السوق العالمية وقضية “ألستوم” تعقّد الأمور

سنتان بعد انتخابه، وبعد طي صفحة الانتخابات الجماعية، يلعب فرانسوا هولاند، الذي يؤدي اليوم ثمن التناقضات التي أدخل نفسه فيها، آخر أوراقه مع مانويل فالس. إذ ينتظر من الوزير الأول الجديد لفرنسا أن يفعّل عددا من الإصلاحات المستدامة على أرض الواقع، إذا أراد أن يعيد إلى “القوة التنافسية” الفرنسية فعالياتها . وتأتي قضية “ألستوم” من جهتها لترمز إلى مسألة مهمة، إذ أن فقدان هذه المجموعة لسيادتها شهادة على تراجع الصناعة وعلى التوجه في فرنسا نحو التدخل السياسي، الذي غالبا ما يكون غير منتج وبدون فائدة تذكر. “لو كوريي أنترناسيونال” تطرقت إلى الموضوع في عدد سابق، ننقل أهم ما جاء فيه بتصرف.

لم يعد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يشكل الاستثناء اليوم. فمنذ ربع قرن تقريبا، دخلت فرنسا، ذات الروح المحافظة، في قوقعة من الجمود.  ويعوّل اليوم على مانويل فالس، وزيرها الأول الجديد، لإدخالها، أخيرا، عصر العولمة. هكذا كتبت جريدة “إل موندو” عند تطرقها إلى الموضوع الذي أصبح حديث وسائل الإعلام العالمية اليوم. ومنذ أواسط الثمانينات، سقطت جميع الحكومات المتعاقبة على حكم فرنسا، سواء من اليمين أو من اليسار، وبسرعة قياسية، في تراجع اقتصادي مستمر ذكّر العالم بالتراجع الذي وقع لها في ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تضيف “إل موندو”.

سياسة “الستاتيكو” باسم الاستثناء الفرنسي

تضيف “إل موندو”: “تعود جذور الداء الفرنسي إلى التوافق الاجتماعي الدولتي المعمول به هناك، والذي منع فرنسا من إيجاد تصور وتطبيق مشروع منسجم للتحديث، وبالتالي تكييف البلد مع مستجدات العولمة ونهاية الحرب الباردة”. لقد جعل خطاب الاشتراكيين والمحافظين من الجمود معيارا. وكلاهما دافع أكثر من اللازم عن “الستاتيكو” أو سياسة الوضع الراهن، باسم الاستثناء الفرنسي أو سياسة “التعالي”. وقد ظل النموذج السوسيو اقتصادي المعمول به، بسبب هذه “التعويذات”، منغلقا على نفسه تحت مسمى حمايته وتحصينه ضد كل ما يقع خارج فرنسا. تقول الجريدة الإسبانية التي اعتبرت هذه السياسة قاصرة وتفتقر إلى بعد النظر الذي تحول إلى مرض مزمن، واصفة فرنسا اليوم ب”رجل أوربا المريض”.  

هولاند ليس توني بلير الفرنسي

وجاء في المقال أيضا أنه منذ أول أزمة بترولية سنة 1973 إلى اليوم، لم تتمكن فرنسا، عكس العديد من البلدان النامية، من أن تضع أي إصلاحات مستديمة تؤدي إلى خلق اقتصاد حديث وتنافسي. كما أن البرنامج الليبرالي الطموح الذي فاز بفضله اليمين الوسطي الفرنسي بانتخابات 1986 لم يفعّل على أرض الواقع. وأضاف المقال “إن العجز عن القيام بإصلاحات، الذي عبرت عنه الحكومات المتعاقبة بعد ذلك بغض النظر عن انتماءاتها الإيديولوجية، أعطى كامل الحق للجنرال دوغول، الذي أكد قائلا في مواجهة أخطاء الجمهورية الرابعة، أن فرنسا بلد لا يلجأ إلى الإصلاح إلا بعد قيام الثورات.
ومهما قيل عن رجاحة قول دوغول، فقد غيرت الثورة معسكرها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. ومثل ما وقع في سنوات الثلاثينات، أصبح الشك وانعدام الأمن والتراجع الاقتصادي وارتفاع العنف الاجتماعي وتدهور مستوى معيشة الطبقة المتوسطة والعولمة والبطالة والتهديد الذي يشكله المهاجرون على الهوية والانسجام الاجتماعي لفرنسا، كلها عوامل أصبحت تشكل “حساء ثقافيا” مثاليا لليمين المتطرف. ومن هنا جاء الصعود القوي للجبهة الوطنية الذي تقوده مارين لوبين. إن تفوق اليمين المتطرف يترجم الأزمة العميقة التي دخلت فيها فرنسا في غياب حلول بديلة حقيقية للاشتراكية واليمين الوسط، تقول “إل موندو”.
ويستطرد كاتب المقال “سنتان بعد انتخابه، يدفع هولاند اليوم ثمن لا مسؤوليته وسياسته المحافظة في دولة تعيش وضعية مالية كارثية واقتصادا منتكسا وطبقات وسطى تتحول نحو الفقر تدريجيا ومجتمعا يغلي ومؤسسات فاقدة للشرعية وشعبوية في ارتفاع متزايد”.
في سياق كهذا، لن يكون للتعديل الوزاري وتعيين مانويل فالس أي فائدة تذكر إلا إذا قامت فرنسا بإصلاحات جذرية أو فرضت عليها هذه الإصلاحات من طرف الاتحاد الأوربي. يقول الكاتب، الذي يختم مقاله باستنتاج قال فيه “غالبا، سيتكرر السيناريو المعروف الذي كان يقع دائما، إذ ستلجأ فرنسا إلى تعديلات جزئية ستتم الموافقة عليها من طرف الجميع من أجل الحفاظ كليا أو على الأقل على أساسيات النموذج السوسيو اقتصادي الحالي، سبب المرض والداء الفرنسي.
وحسب ما يبدو فهولاند لا يمكن أن يصبح أبدا مارغريت تاتشر أو توني بلير الفرنسي”.

“ألستوم… تاريخ من الصفقات المشبوهة”

تعتبر “ألستوم” من أكبر الشركات الفرنسية متعددة الجنسيات المختصة في مجال الطاقة الكهربائية وتوليدها وتحديث السكك الحديدية و شبكاتها. ارتبط اسمها بالعديد من الصفقات المشبوهة وقضايا الفساد في مجموعة من بلدان العالم. إذ سبق أن أخلت باتفاقية حول صفقة أشغال لبناء مولدات كهربائية في رادس بتونس، ولم تدفع أي تعويض للشركة التونسية للكهرباء والغاز، بعد تدخل صهر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي آنذاك، الذي تلقى مبلغا ماليا “محترما” رشوة من الشركة، مثلما جاء في العديد من وسائل الإعلام التونسية.
الشركة نفسها أدينت سنة 2012 من طرف البنك الدولي الذي منع التعامل معها ومع الشركات التابعة لها، بعد ثبوت تورطها في دفع رشاو ومبالغ غير مشروعة  مقابل فوزها بمشروع يموله البنك الدولي لإعادة تأهيل محطات الطاقة الكهربائية في زامبيا في 2002. كما أدين مسؤولو الشركة من طرف القضاء الأمريكي في قضايا رشوة وفساد بسبب إرشاء مسؤولين حكوميين في أندونيسيا من أجل الحصول على صفقات. كما يجري الحديث عن تورط مسؤولين آخرين من الشركة في تقديم رشاو إلى مسؤولين برازيليين للحصول على صفقة إنجاز توسيع “ميترو” مدينة ساو باولو.
وكانت الشركة نفسها أثارت ضجة عالمية كبرى بعد فوزها بمشروع إنجاز قطار في القدس الشرقية يربطها بالجانب الغربي من المدينة والمستوطنات القائمة في القدس وحولها، إذ اتهمتها العديد من المنظمات الحقوقية بالإسهام في “تهويد مدينة القدس” و”ترسيخ وجود المستوطنات القائمة حولها”.
كما سعت الشركة إلى الفوز بمشروع قطار الحرمين بالمملكة العربية السعودية، الذي يربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى فوزها بصفقة مشروع “التي جي في” بالمغرب (القطار فائق السرعة الذي يربط الدار البيضاء بطنجة عبر الرباط)، والتي أثارت الكثير من الجدل، خاصة بين نشطاء حركة 20 فبراير.
وتتنافس شركتا “جينرال إليكتريك” الأمريكية و”سيمنس” الألمانية اليوم من أجل شراء بعض القطاعات التابعة ل”ألستوم” مثلما ذكرت العديد من وسائل الإعلام الفرنسية، لكن عددا من المسؤولين الفرنسيين يسعون إلى البحث عن حلول بديلة تجنبا للبيع وحفظا لماء وجه فرنسا التي تعد الشركة رمزا من رموزها الاقتصادية.

فالس…  المنقذ

وصفت “نيويوركر” مانويل فالس، بأنه “الرجل المناسب في المكان المناسب”، وذلك في مقال لها رسمت خلاله “بورتري” للوزير الأول الفرنسي الجديد، لا يخلو من مجاملة.
وبالنسبة إلى المجلة الأمريكية، فإن فالس “مثير للإعجاب، وهو ما يعتبر مسألة غير مألوفة بالنسبة إلى سياسي فرنسي، أو إلى أي سياسي بشكل عام، كما أنه يبدو من خلال طريقته في الكلام قويا وذكيا، ولا يبدو عليه أنه يقوم بتوافقات. كما أنه يتحدث بلهجة صريحة مع أنه يفتقد لبعض الحس الفكاهي”.
وفالس، الذي يأتي ترتيبه رئيس وزراء الحادي والعشرين في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، ليس فرنسيا أصليا “دو سوش” كما يقول الفرنسيون، فهو قد رأى النور في برشلونة لأب كاتالوني هو الرسام خابيير فالس (هاجر إلى فرنسا سنة 1948) وأم سويسرية إيطالية هي لويز أنجيلا غالفيتي، شقيقة المهندس المعماري المعروف غالفيتي، كما أنه لم يحصل على الجنسية الفرنسية إلا في 1982.
بدأ اهتمام فالس بالسياسة في سن مبكرة، إذ كان ناشطا في الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا خلال مرحلة دراسته في جامعة “السوربون”، وانضم إلى شبيبة الحزب الاشتراكي الفرنسي وكان ضمن التيار المعارض آنذاك لفرانسوا ميتران، والذي كان ميشال روكار، (سيصبح في ما بعد وزيرا أول لفرنسا ويشتغل فالس في ديوانه مستشارا للشؤون الطلابية) واحدا من أبرز رموزه.
ينتمي فالس إلى الجناح اليميني لليسار الفرنسي أو ما يعرف ب”تيار الخط الثالث” أو “البليريين” (نسبة إلى توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق)، والذي يعتبر دومنيك ستراوس كان واحدا من أشهر وجوهه. ويتبنى هذا التيار ديمقراطية اشتراكية تسعى إلى إعادة بناء الحزب الاشتراكي الفرنسي بما يتلائم بين الفكر اليساري وقيم الليبرالية.
يصفه الخبراء السياسيون في فرنسا بصاحب “الطموح الجامح” الذي سيؤدي به بالتأكيد أن يكون مرشح الاشتراكيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما يشبهونه بالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي سبق أن صرح قبل نجاحه في الانتخابات أنه كان يفكر في رئاسة الجمهورية وهو يحلق ذقنه كل صباح.

فالس في سطور

  يبلغ من العمر 52 سنة.
 “برصاوي” متعصب لفريق ميسي وإينييستا.
  يجيد 4 لغات هي الإسبانية والكاتالونية والإيطالية والفرنسية.
  تتلمذ على يد ميشال روكار، رئيس الحكومة الفرنسية السابق والذي كان منافسا للرئيس السابق ميتران على زعامة الحزب الاشتراكي الفرنسي واليسار عموما.
  شغل مدير قسم الصحافة والإعلام في حكومة ليونيل جوسبان قبل أن يصبح في 2001 رئيس بلدية إيفري التي تحولت إلى “عرينه الانتخابي”.
  شغل منصب وزير الداخلية في حكومة فرانسوا هولاند في 2012.
  عرف بمواقفه المتشددة في مواضيع الهجرة غير الشرعية والعلمانية والغجر. وكان وراء منع الفكاهي ديودوني من إقامة عرضه الساخر الأخير واتهمه بمعاداة السامية.
  متزوج من عازفة الكمان آن غرافوان.

 

إنجاز: نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى