fbpx
تقارير

عائلات تسكن محلات “السمن والعسل” بقلب الرباط

محلات تجارية بحي الرحبة الصفيحي تحولت إلى مساكن مقابل 20 درهما لليوم

بسومة كرائية تتراوح بين 10 و20 درهما لليوم، تقيم حوالي 30 أسرة بحي الرحبة بالمدينة العتيقة، موزعة على “قاعة” كانت تخصص لتجارة السمن والعسل، والتمر والحناء، منذ بدايات القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى محلات للحدادة والنجارة  بيع الخردة تؤوي عائلات وجدت في جدرانها المهترئة ملاذها الأخير، فيما ما يزال متجر أو اثنين صامد أمام “المد السكاني” ، ويعرض منتوجات السمن و”الزبدة البلدية” والعسل، لزبناء يعدون على رؤوس الأصابع صار حضورهم إلى القاعة أمرا نادرا جدا “شكون للي مازال عارف راه هذا القاعة فيها مازال شي عسل أو سمن، راحنا خدامين غير بالبركة”، تتأسف امرأة خمسينية طوقت واجهة محلها بسياج حديدي، يحميها من كل خطر محدق. دور أقرب إلى أقفاص من الطوب. يظل الباب، منفذ الهواء الوحيد. تجثم على أنفاس أصحابها، وتهدد بقبض أرواحهم، إن هم لم يسارعوا إلى مغادرتها. دور في قلب عاصمة البلاد تفتقر إلى قنوات الصرف الصحي، ويضطر ساكنوها إلى اللجوء إلى المراحيض العمومية لقضاء حوائجهم، فيما الحرفيون القلائل الذين أجبروا على البقاء بـ”القاعة” يخجلون من إحضار زبائنهم إلى محلات تفتقر إلى أبسط ظروف العمل، ولا يجدون ضيرا من التجول، بحثا عن “بريكولات” تضمن لهم لقمة العيش.

“هاديك الدار ياللاه رابت هادي شي شهر ونصف من بعد الشتا الأخيرة، وهادي من شحال تحولت إلى خربة”، تشير الكبيرة، إحدى سكان حي الرحبة إلى كومة من الإسمنت اختلطت بالأزبال، وصارت مرتعا للجرذان التي أبت إلا أن تتقاسم المكان مع حوالي 30 عائلة اضطرت، نظرا لقصر ذات اليد إلى العيش بمحلات “القاعة”، في انتظار الفرج، الذي ليس إلا تمكين المواطنين من سكن لائق يحفظ كرامتهم ويجعل مواطنتهم كاملة.  
 
مراحيض عمومية لسكان القاعة
حوالي 20 فردا يقيمون بـ”قاعة السمن والعسل”. محلات تجارية تحولت إلى غرف تكتريها بضع عائلات، مقابل سومة كرائية تناهز 10 دراهم للسكان القدامى، ولا تتعدى 20 درهما للجدد منهم. تؤوي في كل واحدة منها عائلات لا يقل عدد أفرادها عن ثلاثة. يتم تخصيص جزء منها مكانا يشبه المطبخ، والجزء الباقي متعدد الوظائف، فتجد في الغرفة الواحدة امرأة أو رجلا مستلقيا، يغط في نوم، إلى جانب أطفال يشاهدون رسوما متحركة على شاشة بلازما “معلق” في جدران لا تقوى على حمل نفسها من كثرة الشقوق.
أكثر ما يؤرق سكان القاعة، علاوة على معاناتهم صيفا وشتاء من “علب سكنية” لا تقيهم حر الصيف، ولا قر البرد أو ماء المطر شتاء، حيث تدق صافرات الإنذار وتهيأ “المعدات” (آنيات) تزرع في كل جنبات الغرفة التي تهددها “القطرة، أكثر ما يؤرقهم ويزيد من شقائهم، افتقارهم إلى مكان يقضون فيه حوائجهم، “حتى وإن كان حفرة، لا يهم، على الأقل لن أضطر إلى مغادرة القاعة أنا وأبنائي، كلما احتاج أحد منا قضاء حاجته على مرأى من الجميع”. تقيم بالقاعة منذ سنة 2004، هي وأطفالها الثلاثة، وزوج يقضي نهاره، بحثا عما يسد به جوع أفواه تنتظره كل مساء.   
منذ سنة 2006، ومع عمليات الهدم التي طالت أحياء “صفيحية” مجاورة لحي الرحبة، في إطار مشروع تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق، انقطعت قنوات الصرف الصحي، وانعدمت أبسط شروط العيش الكريم. تقول الكبيرة، “نعيش مأساة حقيقية، كل يوم مع أسراب الجرذان التي تغزو المساكن، وتشاركنا المسكن والطعام، حتى قضاء الحاجة، الذي هو أمر بسيط وبديهي، يجب أن نحسب له ألف حساب، ونقطع لأجله مسافة بعيدة لنقصد أقرب مرحاض عمومي”.
حرفيون يخجلون من إحضار زبائنهم إلى محلاتهم بالقاعة
يزاول محمد عمله بحي الرحبة، منذ أزيد من 18 سنة، توقف عن أداء سومة الكراء لمحليه التجاريين التي كانت تقدر بـ220 درهما للشهر، منذ  2006، بعدما تم تبليغه على غرار باقي السكان بالقرار القاضي بضرورة الإفراغ، لأن الحي يأتي في تراب منطقة ستخضع لإعادة الهيكلة في إطار مشروع إعادة تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق.
“كاين الناس للي كايعرفوني. أصحاب البازارات، هم من يطلبون مني تحضير بعض الأعمال الحرفية، وإلا فأنا من يتعين عليه البحث عن عمل، لأن هاد الجهة، كيما كاتشوفو مكرفصة شوية، أنا شخصيا ماكنرضاش يجي لكليان عندي لهنا، الحالة ما فيها ما يتشاف”. يستنكر محمد الذي لا يتوانى عن البحث بنفسه عن طلبيات، إذا تعذر الأمر، أو تأخرت الطلبيات الخاصة التي تفد عليه. حاله حال حداد يعمل بالقاعة ذاتها يرفض هو الآخر إحضار زبائنه إلى المحل، ويقضي الجزء الأكبر من يومه يتجول على المحلات سائلا عن “بريكول” يتفق مع صاحبه على إصلاحه، ويعيده في الوقت المتفق عليه. “الناس هنا قلال للي كايعرفو أن هاد المحلات كاينة، وها هوما عرفو كاع، فين غادي يجيو لهنا؟ الحالة مكرفصة بزاف، الله يعفو علينا وخلاص”، يضيف الحداد بغضب.  

وعود ضلت طريقها إلى التنفيذ

يقول محمد إن وعود مختلف المسؤولين الذين تواترت زياراتهم للحي منذ 2006 ضلت طريقها إلى التنفيذ، “قيل لنا تلك السنة، وبعد أن خضعنا إلى الإحصاء، إنه سيتم تعويضنا على أساس إفراغ محلاتنا، قبل أن يتراجعوا بدعوى وجود مشاكل مع صاحب “الفندق” حيث نقيم”، الأخير أيضا يقول محمد إن لا أحد يعرفه، وهو بدوره لم يعد يطالب بمستحقات كراء المحلات التي تحول معظمها إلى مساكن للعائلات قسمت ظهرها الحاجة وقلة ذات اليد “كنا ندفع سومة الكراء لشخص كانت لديه عقدة استغلال الفندق، البعض يقول إنها انتهت، ولم يتم تجديدها، والآخر يقول إنه تلقى تعويضا وغادر المنطقة”، يصمت محمد، ليضيف بانفعال “أنا مادا بيا نعرف لمن نخلص الكرا، وناخد التوصيل، أنا براسي حاصل ما عندي وراق ولا رخصة، مادا بيا يفكوني ويديورو فيا وفهاد الدراري خير”، فمحمد يشغل إلى جانبه سبعة حرفين يتكلفون بالتغليف، وتقطيع الجلد حسب طلبيات الزبائن، التي تنوع بين ملفات جلدية أو علب أنيقة للتزيين ويعيلون جميعهم عائلات تعيش من مدخولهم. سكان القاعة من غير الحرفيين بدورهم ينتظرون تسوية أوضاعهم، والالتزام بوعود رسموا على خلفيتها أحلاما وردية، تحملهم من تلك العلب الصفيحية إلى مساكن لائقة، إلا أنهم فوجئوا بالوعود تتحول إلى تعويضات ضئيلة لا تتعدى سبعة ملايين، البعض قبلها مرغما وغادر القاعة بحثا عن حي صفيحي جديد، فيما يرفض البعض الآخر تسلم تعويض مادي، أيا كانت قيمته “شحال ما عطاونا غادي يجي نهار ويتسالا، غادي ياكلو الكرا والمعيشة، لأن غالبيتنا “غير كاتبريكولي، أما شي خدمة مسرحة والو”، تؤكد الكبيرة التي أضافت أن سكان القاعة لن يخرجوا منها، إذا لم يمنح لهم بديل يعيد إليهم كرامتهم وإنسانيتهم.

إنجاز: هجر المغلي وتصوير: عبد المجيد بزيوات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى