fbpx
حوادث

(2/5)دراسة في القانون : دور التشريع والقضاء في حماية حق الشغل بالمغرب

  يونس العياشيحماية الأجير مقررة في جميع مراحل العملية التعاقدية مع المشغل

عدم وجود مثل هذا المقتضى، يجعل رب العمل يتخلى عن الأجير ويعوضه بغيره بمجرد توقف الأول عن العمل، وهو ما لا يتماشى مع الطابع الحمائي للتشريع الاجتماعي عموما. وما قيل عن دور  نظام الضمان الاجتماعي في حماية حق الشغل ولو بطريقة غير مباشرة، يصدق على نظام التأمين عن حوادث الشغل والأمراض المهنية المعروف بظهير 6 فبراير 1963على اعتبار أن نظام التأمين وهو إلزامي يتدخل بدوره لحماية حق الشغل وبطريقة غير مباشرة إلى حين ارتفاع العذر الاضطراري، الذي أدى إلى توقف عقد الشغل ، إما بسبب حادثة شغل أو مرض مهني، مما يفيد أن التأمين كان له دور مهم في تطوير أحكام المسؤولية المدنية سواء كانت عقدية أو تقصيرية .
أما على مستوى مدونة الشغل، فالحماية مقررة بشكل جلي في جميع مراحل العملية التعاقدية بين الأجير والمشغل، ونستدل على ذلك بما ورد مثلا في المادة 19 من مدونة الشغل والتي جاء فيها :»إذا طرأ تغيير في الوضعية القانونية للمشغل أو على الطبيعة القانونية للمقاولة، وعلى الأخص بسبب الإرث أو البيع أو الإدماج أو الخوصصة، فإن جميع العقود التي كانت سارية المفعول حتى تاريخ التغيير، تظل  قائمة بين الأجراء وبين المشغل الجديد الذي يخلف المشغل السابق في الالتزامات الواجبة للأجراء…»
ويعتبر هذا المقتضى التي خالف فيه المشرع المغربي القاعدة الرصينة الواردة في المادة 228 من قانون الالتزامات والعقود -الذي نظم بدور عقد إجارة الخدمة- والتي تنص « الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد ..»، قلت يعتبر هذا المقتضى مظهرا من مظاهر تقلص مبدأ الأثر النسبي للعقد والتي تروم حماية حق الشغل واستقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية بالمقاولة المغربية.
ومن مظاهر حرص مشرع مدونة الشغل على حماية حق الشغل بالنسبة للأجير ماتضمنته المادة 23، والتي لئن اعتبرت التكوين المستمر حقا للأجراء، فهو حتما وبمفهوم المخالفة واجبا بالنسبة للمشغل يجب أن يثبت أنه قام به قبل فصل الأجير في إطار ما تسمح به المادة 35 من مدونة الشغل، والتي تمنع فصل الأجير دون مبرر مقبول، إلا إذا كان المبرر مرتبط بكفاءته أو سلوكه في نطاق الفقرة الأخيرة من المادة 37 و38 أدناه أو تحتمه ضرورة سير المقاولة في نطاق المادتين 66 و67.
وقد ميز مشرع المدونة بين حالات توقف عقد الشغل وحالات إنهائه، معتبرا أن حالات التوقف هي واردة على سبيل الحصر وليس المثال، وهي في معظمها تعود لأسباب اضطرارية نصت عليها المادة 32 من مدونة الشغل كوضع الأجيرة حملها، أو مرض الأجير أو إصابته بحادثة شغل أو مرض مهني…. ، بحيث يبقى حق الشغل ثابتا للأجير ويعود إلى السريان من جديد بمجرد ارتفاع المانع الاضطراري، ومعنى هذا أن إنهاء عقد الشغل في الأحوال المذكورة في المادة 32 بمبادرة من المشغل يجعل الإنهاء يتسم بالتعسف، الأمر الذي يستلزم أساسا الحكم بالإرجاع إلى العمل واحتياطيا الحكم بالتعويض عن الطرد التعسفي في إطار دعوى الخيار.
ويبقى أهم مظهر في حماية حق الشغل وفي دعم مبدأ استقرار علاقات الشغل، ذاك الذي نظم من خلاله المشرع كيفية إنهاء عقد الشغل، معتبرا أنه لا يمكن فصل الأجير دون مبرر مقبول، إلا إذا كان المبرر مرتبط بكفاءته أو سلوكه في نطاق الفقرة الأخيرة من المادة 37 و39 أو تحتمه ضرورة سير المقاولة في نطاق المادتين 66 و67 من مدونة الشغل، بشرط مراعاة مدة الإخطار المقررة في المادة 43 من مدونة الشغل والفصل 61 و62 و63 في حالة الفصل التأديبي، وذلك تحت طائلة اعتبار الفصل تعسفيا ولو كان يستند لسبب جدي، وهو ما ستقر وتواتر  عليه قضاء محكمة النقض.
وقد سبق وعبرنا عن رأينا بخصوص هذه النقطة بالذات، واعتبرنا أن الإفراط في العدل لمصلحة الأجراء – من خلال اعتبار الفصل تعسفيا لمجرد عدم احترام شكليات الفصل بالرغم من وجود ما يبرر ه – قد يصير ظلما في حق أرباب العمل، كما لو تعلق الأمر بسرقة أو خيانة أمانة أو إضرام نار بالمقاولة عمدا ثابتة، بمقتضى حالة التلبس أو اعتراف صريح من المتهم – داعين المشرع والقضاء  معا إلى تبني  اتجاه أكثر مرونة بالنظر إلى صعوبة تنفيذ الحكم القاضي بالإرجاع إلى العمل، وذلك بالاكتفاء بتخصيص تعويض خاص عن عدم احترام شكليات الفصل  ليس إلا.
ثانيا :  حماية حق الشغل من خلال تشريعات أخرى غير التشريع الاجتماعي .
قد يعتقد البعض خطأ أن حماية حق الشغل قاصرة على التشريع الاجتماعي ليس إلا، بيد أن الحماية القانونية لهذا الحق مقررة في العديد من التشريعات الأخرى كالحماية المقرة في قانون الالتزامات والعقود لسنة 1913 وفي قانون المسطرة المدنية وفي مدونة التجارة وفي القانون الجنائي وفي قانون الخوصصة وفي قانون حرية الأسعار المنافسة…، هذا فضلا عن الحماية المقررة في الاتفاقيات والتوصيات الصادرة عن منظمات متخصصة كمنظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية، وذلك لسموها عن القانون الداخلي بمقتضى أحكام الدستور.
فعلى مستوى قانون الالتزامات والعقود – والذي يعتبر مصدرا احتياطيا لباقي القوانين المتفرعة عنه -، سبق ونضم إجارة الخدمة بمقتضى الباب الثاني وتحديدا الفصول من 723 إلى 758، علما أن ما تضمنته المادة 19 من مدونة الشغل السالف ذكرها تجد مصدرها في المادة 754 من (ق .ل.ع) وتحديدا في فقرته السابعة، ما يعني أن مشرع الحماية ومن خلال المادة 754 من (ق.ل.ع) كان سباقا إلى إقرار حماية خاصة للأجير مند تعديل الفصل المذكور بمقتضى ظ 1938.
وحيث إن قانون الالتزامات والعقود هو نص عام وسابق ومدونة الشغل  هينص خاص ولاحق، فإن مدونة الشغل هي الواجبة التطبيق، ولا يمكن الركون إلى المقتضيات الواردة في قانون الالتزامات والعقود إلا عند وجود فراغ تشريعي ليس إلا. ولا تقتصر حماية حق الشغل على قواعد الموضوع، وإنما تتعداه إلى قواعد الشكل، ونعني بذلك قواعد قانون المسطرة المدنية والذي يعتبر بمثابة الروح في الجسد بالنسبة لقواعد الموضوع.
وحماية حق الشغل من خلال القواعد الإجرائية يتضمنها الباب الرابع من القسم الخامس وتحديدا المسطرة في القضايا الاجتماعية والتي تلزم القضاء قبل البت في موضوع النزاع تفعيل آلية الصلح المقررة في الفصل 227 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص :» يحاول القاضي في بداية الجلسة التصالح بين الأطراف «.
وتعتبر هذه الشكلية شكلية جوهرية وقانونية  تبسط محكمة النقض رقابة عليها  وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال القفز عليها أو تجاهلها.
وقد كانت الضرورة المنهجية تقتضي إبراز الحماية القانونية لحق الشغل من خلال ما تضمنه الكتاب الخامس من مدون التجارة والخاص بصعوبات المقاولة، إلا أنه وحرصا منا على التعامل مع هذه القوانين وفق تسلسلها الكرونولوجي فرض البدء بقانون الالتزامات والعقود، ثم بعده قانون المسطرة المدنية ، فقانون الخوصصة .
بقلم:  يونس العياشي ,نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة
دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى