fbpx
منبر

الهوامل والشوامل : من الخلاف إلى التوافق: في رأسمال القضايا الجامعة

عبد الإله بلقزيز
عبد الإله بلقزيز
ليس من شيءٍ يجمع العرب، ويجتمع عليه شمْلُهم، مثل قضيةٍ كبرى تبعث التضامن في نفوسهم، وتولّد الشعور لديهم بالانتساب الى الأمّة الواحدة، وتُضْعِفُ منازع الخلاف والفُرقة، ومشاعر التباغض والتكايُد بينهم، أو تغلّب علاقات المصلحة المشتركة عليها في أقل القليل. تلك كانت سيرتُهم في التاريخ منذ ابتداء دعوة الإسلام حتى أكتوبر 1973، حين كانت الأحداثُ الجِسام تمتحن وجودَهم ومصيرَهم، فيهتدون إلى ما يذلِّل امتحاناتها، ويغالب مخاطرها باستنفار عوامل الوحدة والتضامن فيهم. وهُمْ ما وَهَنُوا ودبَّ الخلاف في كيانهم واستُضعِفوا إلا متى ذهلوا عن الجوامع بينهم ، وغاب في أفقهم قضيةٌ كبرى يجتمعون عليها، أو هُم غَيَّبوها تحت تأثير سِنَةٍ من نسيان، أو إساءةِ تقديرٍ، أو فقدان بُوصلة.
والعربُ، اليوم، في شدَّةٍ من الخلاف بينهم بحيث يكاد أن يُذْهِب ريحهم، الخلاف بين دولهم على الأشُدّ، وإلى حدودٍ قارَبتِ التّواجُهَ المباشر بعد أن هَلَّ عليهم “ربيع” الفوضى الخلاّقة، والخلاف – داخل الدولة الواحدة – بين الأهل والأهل، بين السلطة والمعارضة يضغط على الاستقرار السياسي، ويقضم من نسيج الوحدة الوطنية كلّ يوم، ويُجَرّئ الأجنبيَّ على الداخل العربي، ويقذف بجحافل “الجهاديين” والتكفيريين من أصقاع الأرض كافة إلى بلاد العروبة قاصدين “إعادة فتحها”، والفتن والحروب الأهلية تتناسل من بعضها كالفطر.. الخ. والسبب؟ لم يعد في جعبة عرب اليوم ما يَرْتَقُ فتوقَهم، ويرأب صدوعهم وشروخهم، ويَلْجم جموحهم تجاه بعضهم! أو قُلْ – للدقة – إنهم غفلوا عن ذلك الجامع العاصم الذي يحميهم من غائلة نفسهم عليهم، وأشاحوا النظر عنه إلى ما يجعلهم اليوم مثل الأيتام على مائدة اللئام!
وجدوا، في القرن العشرين الماضي، وفي بعض بدايات هذا القرن الجديد، قليلاً ممّا يجمعهم ويؤلّف بين قلوبهم، وكانت قضية فلسطين ونُصْرَةُ مطالب شعبها وحقوقه المصادَرة، ووَقْفُ التمدُّد السرطاني الصهيوني في الجسم العربي، ممّا اجتمع عليه موقفُهم، وتَفَعَّل في نطاقه تعاوُنُهم وتضامُنُهم، وتَشَحَّدَتْ فيه وتوحَّدَت إرادتُهم. وإذا هُمْ كانوا دشّنوا سياسات التضامن الجماعي في مناسبات معلومة وموشومة (قرارات المقاطعة الشاملة للكيان الصهيوني، اتفاقية “ الدفاع العربي المشترك”، مواجهة مؤامرة “إسرائيل” لتحويل مجرى مياه نهر الأردن، قمة الخرطوم (1967) ولاَءَاتها الثلاث…)، فإن ذروة ما بَلَغته تلك السياسيات إرادةُ القرار والسلاح والنِّفْط والمال على صناعة فصولها في العام 1973، والتي أعادت للعروبة صورَّتها المَهيبة بعد إذ أصابها شرخٌ في ما مضى من سنين.
مازالت قضية فلسطين، مثلما كانت، وستبقى القضية الكبرى الجامعة بينهم، والجامعة لشملهم، هذا من تقرّرُهُ طبائع الأمور، وفي جملتها طبيعة المسألة الفلسطينية بما هي مسألةٌ عربية، في المقام الأول، قبل أن تكون خاصة بشعب فلسطين، إذ ليس على أحدٍ من العرب أن يكون قوميّاً عربياً – بالمعنى الإيديولوجي والسياسي – حتى يدرك علاقات الاتصال العضوي والماهوي بين القضية هذه ومجمل المصير العربي: الأمني والسياسي والتنموي.. إلخ، والعربُ أنفُسهم لم يكونوا جميعَهم قوميين حين أفردوا للقضية، أمس، المكانَةَ المركزيةَ في سياساتهم، وحين أطلقوا مشروع التضامن الجماعي في مواجهة المشروع الصهيوني ومن أجل نصرة الحقوق الفلسطينية، أو حين خاضوا الحرب لردع التوسعية الإسرائيلية أو لاستعادة الأراضي المغتصبة. كانوا بالأحرى، يترجمون ذلك الإدراك بعدم إمكان فصل قضية فلسطين عن مجمل قضايا المصير العربي، والإدراك بأن ذلك الاتصال موضوعيٌّ من فِعْل فاعلٍ هو الكيان الصهيوني نفسه. إسرائيل لا تحتل أرض الفلسطينيين فحسب، وإنما تحتل أراضي عربية أخرى، سورية ولبنانية. والأرض التي تحتلها في فلسطين ليس أرض الفلسطينيين فحسب، وإنما هي أرض العرب والمسلمين أيضا. ومطامعها في المياه العربية (الفلسطينية والأردنية واللبنانية والسورية والمصرية) معروفة منذ قيامها. وهي حين اقتلعت شعب فلسطين من أرضه، خلقت مشكلةً للعرب جميعاً اسمها اللاجئون. ثم إنها دولة تمتلك السلاح النووي، وتهدّد به الأمن والاستقرار في مجمل منطقة “الشرق الأوسط”. وإلى هذا كلّه ترعى مشاريع التفتيت الطائفي والمذهبي في البلاد العربية، وتقف ضدّ أي طموح تنموي أو ديمقراطي لأي بلد عربي.
أليست هذه حقائق تكفي لكي يقع إدراكٌ عربي باتصال قضية فلسطين بمجمل المصير العربي من دون حاجة إلى تبني ايديولوجيا قومية؟
ومع أن قضية فلسطين بهذا الوضوح، واتصالُها بالمصير العربي برمَّته من أبْدَهِ الأمور، ومع أنها – لهذه الأسباب جميعاً – القضيةُ العليا التي يمكنهم أن يجتمعوا عليها، ويمكنها أن تُوحٍّد إرادتهم وتصنع تضامُنَهم، إلاّ أن مجرى سياساتهم اليوم يذهب في اتجاه آخر: الذهول عن الجامع بينهم، وترك شعب فلسطين يواجه قدره، وحده، أمام عدوٍّ لم تصل مطامعُه إلى منتهاها.
عبد الإله بلقزيز, مفكر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى