جودة الخدمات القضائية تقتضي الإنصاف والفورية في البت والتنفيذ يهدف التأطير القضائي إلى تقوية مهارات الصنعة القضائية لدى القاضي وصقلها بغية الرفع من الأداء القضائي وتقوية النجاعة القضائية دون المس باستقلال القضاء. وقد كرس الدستور المغربي الجديد مبدأ استقلال السلطة القضائية وارتقى به إلى مستوى المبادئ الدستورية، حينما نص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، وأن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية (الفصل 107) . وأنه يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط. إن الاهتمام بالأوليات المعتبرة أساسا لتطوير أساليب وإدارة العملية القضائية، وخلق محكمة تصرف فيها العدالة بشكل سريع وفعال وشفاف وتتميز بالمهنية واحترام الناس لها والاقتناع بعطائها لا يجب أن يبعدنا عن متابعة التكوين والتكوين المستمر لفائدة القضاة وكتاب الضبط، ومتابعة أعمال مساعدي القضاء من خبراء ومفوضين قضائيين وعدول وتراجمة، عن طريق فتح قنوات الحوار والتشاور وتبادل الرأي معهم بعقد ندوات وموائد مستديرة.إن مجمل الأفكار والتصورات والمقترحات التي تعرضنا لها والتي تشكل برنامجا للعمل، تثبت بالملموس أن تحقيق جودة العدالة وتحسين الأداء القضائي، يقتضيان توفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة للحصول على النتيجة المطلوبة واستعمال وسائل التدبير والتسيير العصريين، من خلال إشراك جميع المتدخلين في قطاع العدل وخلق تواصل دائم معهم، وتيسير الوصول إلى المعلومة القانونية سواء بالنسبة لمستهلك الخدمة القضائية أو بالنسبة للمواطن العادي، تحقيقا لمبدأي التوقع القضائي والأمن القانوني.وهو ما سيتحقق لا محالة من خلال أجرأة هذه التصورات وإنزالها على أرض الواقع بقدر من السرعة والفعالية اللازمة والتجاوب الضروري، من خلال تلك المقاربة الشمولية والتشاورية التي تعتمد الإنصات والحوار والانفتاح على المحيط القانوني والقضائي .وحتى يكون التأطير مبنيا على أسس علمية ويحقق الغاية المتوخاة منه، يقتضي الأمر من المسؤول القضائي ضبط مؤشرات التقييم لتشخيص الوضعية، سواء المتصلة بتقييم العمل القضائي أو المتعلقة بتأهيل الموارد البشرية.1- المؤشرات المتصلة بتقييم العمل القضائي إن الرفع من جودة الخدمات القضائية يقتضي ضمان الفعالية الضرورية الكفيلة بجعل المساطر القضائية والأحكام تحقق الإنصاف والفورية في البت والتنفيذ، غايتها ضمان قضاء الجودة من خلال عدالة سريعة فعالة وموضوعية.ولبلوغ هذه الأهداف لابد من معرفة دقيقة بالأسباب، التي تؤثر على جودة الخدمة القضائية، وهو ما يتأتى بتوفير أدوات تقييم موضوعية عبر استقراء آراء مختلف أطراف العملية القضائية، وتوفير البيانات والمعطيات التقنية للتدبير وقياس الأنشطة والقيام بالمقارنات الضرورية، هذه المؤشرات منها ما هو متصل بمرحلة تجهيز الملف أو بمرحلة ما بعد صدور الحكم .أ- مرحلة تجهيز الملف أو الإجراءات الممهدة للحكم تكتسي هذه المرحلة أهمية قصوى في مسار الملف القضائي، مما يتعين إيلاءها الأهمية القصوى باعتماد عنصري الفعالية والسرعة في تدبير إجراءات الدعوى من خلال مراعاة المؤشرات التالية ودراسة مدى تطبيقها: - مدى سهولة الولوج إلى مرفق العدالة والاستفادة من خدماتها .- متوسط أمد الوقت الذي يستغرقه عمل كتابة الضبط بين مكتب الرسوم القضائية والمكتب المختص قبل تسليم الملف إلى السيد رئيس المحكمة لتعيين المقرر .- متوسط أمد الوقت الذي يستغرقه رئيس المحكمة لتعيين القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية.- متوسط أمد الوقت الذي يستغرقه القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية لتعيين أول جلسة .- مدى الالتزام بإجراء الدراسة القبلية للملف .- مدى الالتزام بالإنذار بتصحيح المسطرة وأجله .- مدى الالتزام باحترام الإجراءات الشكلية لتبليغ الاستدعاءات : الآجال – الصفة في التوصل – قانونية الاستدعاء.- عدد المهل الممنوحة للتعقيب .- مدى التأكد من استيفاء المقال للشروط الشكلية قبل الأمر بإجراء تحقيق .- كيفية مراقبة إجراءات التحقيق وآجال إنجازها وتنفيذها .- مراقبة إجراءات الخبرة وآجالها ومدى تقيد الخبراء بالمهمة المسندة إليهم . - تقليص آماد الفصل في القضايا .- مراقبة عدد الملفات التي تم إخراجها من المداولة، وبيان أسبابها، ونسبة ذلك من المجموع العام، وعدد الملفات التي تم تمديد المداولة فيها وأسبابها ونسبتها من مجموع القضايا .- مدى الالتزام بضوابط تعليل الأحكام والقرارات .- مدى التواصل بين المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف داخل الدائرة القضائية الواحدة .- التعرف على طريقة تصريف المحكمة للإشكاليات التي تواجهها في هذه المرحلة.- مدى تطوير دور الجمعيات العامة للمحاكم وجعلها أداة للتسيير ورسم الأهداف والسهر على تنفيذها . ب- مرحلة ما بعد صدور الحكم إن تقييم العمل القضائي يقتضي مراعاة المؤشرات التالية لقياس درجة الجودة في المنتوج القضائي:وضعية الملفات القديمة: إحصائيات تتعلق بعددها ونوعها وأسباب عدم تصفيتها والتدابير المتخذة للتصفية.- متوسط أمد البت في القضايا الابتدائية والاستئنافية.- نسبة الأحكام المؤيدة أو الملغاة كليا أو جزئيا.- نسبة الأحكام القاضية بعدم القبول وأسباب ذلك.- نسبة الأحكام الفاصلة في الموضوع. - نسبة الأحكام القاضية بتسجيل التنازل.- نسبة الأحكام المطعون فيها وبأي طريق .- معرفة حجم العمل الذي يقوم به القضاة وكتاب الضبط .- الإلمام بحجم تزايد القضايا أو نقصانها بالمحاكم.- وضعية طبع الأحكام : نسبة الطبع ومدته والمدة التي يستغرقها توقيع الحكم بعد الطبع والمدة التي يستغرقها توجيه الملف إلى جهة الطعن .ومن المهم التأكيد على أهمية تطوير البحث القانوني والقضائي، ومواصلة إنجاز دلائل عملية حول إجراءات المحاكم والتقاضي وإجراءات التنفيذ، في إطار يهدف إلى تعميم المعلومة القانونية والقضائية وإضفاء طابع الشفافية والفعالية على عمل المحاكم.2- المؤشرات المتصلة بتأهيل الموارد البشرية إن تأهيل الموارد البشرية يعتبر حجر الزاوية في العمل القضائي مما يتعين معه دراسة وقياس مدى الاستجابة لعدة مؤشرات التالية:- عدد القضاة بالنسبة إلى عدد القضايا، ومؤهلاتهم العلمية .- عدد الموظفين بالنسبة إلى عدد القضايا .- توزيع الموظفين حسب المستوى الثقافي والمهام المسندة إليهم .- القدرة على استعمال التقنيات المعلوماتية ومدى خضوع القضاة أو الموظفين للتكوين في هذا المجال ونطاق استعمال المعلوميات في التدبير .- حجم الخصاص بالنسبة على الموارد البشرية بكل محكمة .- التوزيع الأمثل للموارد البشرية : مراعاة التخصص والتجربة والكفاءة .- خلق مسطرة التدقيق الداخلي ومراقبة الإجراءات. - مراعاة مبدأ ملاءمة التكوين المستمر للحاجات الحقيقية المطلوب التكوين فيها، لأن من شأن ذلك أن يحيي روح العمل والرغبة في العطاء وأن يجدد الطاقات وأسلوب العمل وأن يحفز المردودية في مجال الأداء القضائي.ويتولى المسؤول القضائي التحري والتحقق والمراقبة، بما يمكن من تقييم سير المحاكم، وأسلوب الأداء، وطرق الممارسة القضائية وكشف الإخلالات وتقويمها، وتحديد المشاكل والصعوبات التي تعترض سير العمل بالمؤسسات القضائية، واقتراح الإجراءات والوسائل الكفيلة لضمان تحسين الأداء القضائي .ولا ينبغي أن تنحصر مهمة المسؤول القضائي، في التنقيب عن الأخطاء، بل يجب أن يكون الهدف منها، هو الإرشاد، وإذكاء الثقة في النفس، للرفع من مستوى الأداء القضائي. بقلم: محمد الهيني, مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط