حياد القاضي مهما سما لا يمكن أن يكون إلا نسبيا إن الاهتمام المتزايد بالإنسان كائنا اجتماعيا له مكانة ودور تحددهما منظومة القيم التي تسود المجتمعات المنظمة، قد أصبح يطرح وبإلحاح هادف ضرورة الانتباه إلى كثير من المفاهيم، التي إن كان قد سبق للفكر الحقوقي أن رسخ بها ومن خلال العمل بها أسلوبا راغبا في تحصين منطق التعايش مع الآخر وقبول فكرة التساكن معه، فإن حدة التناقضات المجتمعية اليوم ما فتئت تفرز و بالملموس، مدى صعوبة مواكبة هذا الفكر لمدى حاجة الإنسان لإثبات ذاته كغاية مثلى تفنى من حولها كل الأساليب المبتعدة عن تكريمه واعتبار آدميته. ثاني ملاحظة تدور بالأساس حول التصور الأضمن للخروج بمرحلة التحقيق الإعدادي من مجرد محطة عبور ممهدة للمحاكمة إلى آلية اختبار حقيقية لتأسيس شرعية المحاكمة، وهنا لسنا أمام حالة اشتباه يكفي لتحققها التشكك المبني على مؤشرات المعاينة، بل أمام اتهام يقوم على أدلة يتحدد من خلالها قرار الاستمرار في المحاكمة.مع الأسف، ما زال ينظر إلى قاضي التحقيق سلطة اتهام فقط جل اختصاصاته تصب بالأساس حول البحث عن دليل تجريم الفعل وتكريس متابعة مرتكبه، والحال أن مفهوم المحاكمة العادلة إنما يستمد شرعيته كذلك انطلاقا من المجهود الخاص الذي يبذله قاضي التحقيق في التعامل وبحياد مسؤول مع كل معطيات النازلة، وقد يعتقد البعض أن الحديث عن الحياد في هذه المرحلة لا ينسجم البتة مع صفة قاضي التحقيق رجل بحث واستدلال، إلا أننا نرى في مثل هذه النظرة الموظفة للتحقيق الإعدادي في خدمة الحسم في الاتهام اختزالا لمنطق التدريج الذي تقوم عليه المحاكمة العادلة: فاستنطاق المتهم لا يعني حتمية إحالته على المحاكمة، والاستماع إلى الشاهد لا يستثني هذا الأخير من شمله بقرار الاتهام، كما أن تطورات القضية لا تنتهي بإحالة المحضر على النيابة العامة، بحيث لا يمكن أن نفهم توسط مرحلة التحقيق الإعدادي لكل من مرحلتي البحث والتحقيق النهائي إلا من زاوية البحث للمحاكمة عن آلية تحويل مركزية، إن كانت تخدم المرحلة الأولى بإضفاء المصداقية القضائية على المعطيات الواقعية للنازلة، فهي تبحث في الملف عن الاحتمال الضروري الدائر بين الإدانة و البراءة، وإلا فما جدوى الاعتراف لقاضي التحقيق بسلطة إنهاء المسطرة باتخاذ القرار بعدم المتابعة، بل ما جدوى المحاكمة إذا لم يفلح المشرع في تكريس تيار البراءة إلى جانب تيار الاتهام؟آخر ملاحظة تتوجه إلى مرحلة التحقيق النهائي، والتي مع الأسف يعول عليها كثيرا لتجسيد ضمانات المحاكمة العادلة، وكأن المراحل التي سبقتها غير معنية بهذا التجسيد، أو على الأقل طبيعة عملها تحول دون إشراكها فيما يساعد على ذلك، والحال أن المحاكمة العادلة بقدر ما تتوخى سلامة الحسم في الإدانة أو البراءة وتحرص على تحصين منطق المساءلة من شوائب الشك والارتياب من أجل الحصول على اليقين، فهي تقوم كذلك على تصورات وتنطلق من معطيات مناقشتها شفويا حضوريا وعلنيا لا يمكن أن تعني سوى توافر الحد الأدنى المطلوب لضمان شرعية البحث عن الحل القضائي، وبذل مزيد من الاجتهاد لإقناع المقدم إلى العدالة بضرورة المحاكمة : ولعلها المقاربة الأضمن لتحرير ذهنية المواطن من أي خلفية مشككة في منطق تراخي الزمن الذي تستغرقه الإجراءات، وقد يعتقد البعض أنه كلما وقع استعجال المرور إلى مرحلة التحقيق النهائي كلما كان ذلك منسجما مع ما توحي به المحاكمة العادلة من توظيف كل ضمانات الدفاع و من أبرزها الخروج بالنازلة من منطقة الظل لتمكين الجمهور من تتبع أطوارها كمراقب ذي امتياز يساهم بحضوره في دعم حياد القاضي باعتباره السبيل الوحيد لإبراز كل التناقضات و الوسيلة الأضمن لاختراق أهم الحواجز التي تحول دون كشف الحقيقة. ومع ذلك نقول إن شرعية البحث عن الحل القضائي، لا تقوم فقط بالاقتناع بضرورة المحاكمة، وإن حياد القاضي مهما سما لا يمكن أن يكون إلا نسبيا، بحيث إذا استحضرنا الحقيقة الإنسانية التي تقف وراء ظاهرة الجريمة، وما تختزنه هذه الأخيرة في عمقها من انسلاخ عن منظومة القيم التي يقوم عليها تماسك المجتمع، نفهم وإلى حد ما أن مفهوم المحاكمة العادلة لا يقوم فقط على ضمانات، شروط أو حتى معايير…، بل هو ملامسة تقريبية لحقيقة إنسانية كانت ولا تزال صعبة الاحتواء وعسيرة الفهم.لذلك، فكلما استثمرت مرحلة التحقيق النهائي لإقناع المقدم إلى العدالة أن للمجتمع حق معرفة الحقيقة، و أن محاكمته ليست انتقاما منه، بل هي فرصة تمنح له من أجل الدفاع عن نفسه، كلما أصبح لمفهوم المحاكمة العادلة غاية أنبل من الاحتكام إلى القانون، وهدف أسمى من إنصاف الضحية، لأن ملامسة الحقيقة الإنسانية في النازلة إنما تعني ترجيح الحل القضائي الأقرب إلى الاجتهاد المطلوب في فهم القانون، وهذا الأخير يجسد حقيقة تشريعية مهما سمت في تمثل ظروف وملابسات النازلة، فهي تبقى خاضعة لمنطق التنويع من حيث التوظيف على مستوى الواقع، وبين ذاك التجسيد وهذا التوظيف يأخذ مفهوم المحاكمة العادلة موقعه التوفيقي الذي يحاول به المزاوجة بين إرادة المجتمع الراغبة في توقيع العقاب وبين إرادة الجاني الملتمسة للصفح : ولعلها الحقيقة الثابتة التي تعطي لشرط العدل في المحاكمة بعده الثالث الذي بنظرنا المتواضع يحاول أن يخرج القانون من مثالية تعيق فعاليته إلى واقعية تثبت و تقوي رغبة الاحتكام إلى مقتضياته.بكل بساطة إن المفهوم الجديد للمحاكمة العادلة الذي نطمح إلى تكريسه في المادة الجنائية لا يعدو أن يكون سوى جلب الانتباه إلى نسبية العدالة البشرية في الاتجاه المنبه لاستحضار البعد الإنساني في المعالجة القضائية لظاهرة الجريمة ، فقانون المحاكمة مهما اجتهد في خلق الآليات المساعدة على الخلوص للفتوى القضائية يبقى دائما في حاجة إلى كشف الحقيقة، وبالمراهنة فقط على هذه الأخيرة يتحقق شرط العدل باعتباره الدليل القطعي على مدى نجاح المحاكمة في إقناع الجميع بضرورتها، بل نرى فيه، إضافة لكل ما ذكر، المأمن الواقي من أي انزلاق. بقلم: د. فريد السموني, أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالمحمدية