الاعتداء على القضاة يشكل تهديدا خطيرا لاستقلالية القضاة يستعد نادي قضاة المغرب الجمعية الأكثر تمثيلية للقضاة بالمملكة المغربية لتنظيم وقفة غضب للقضاة غدا (الجمعة) بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة ابتداء من الثالثة عصرا. وهي وقفة تأتي استجابة لدعوة المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة في اجتماعه المنعقد بتاريخ 23 فبراير الماضي، والتي تم تأكيدها أيضا في البيان الصادر عن المكتب الجهوي بتاريخ 10 أبريل الماضي والذي حدد مكان وتاريخ وقفة الغضب. إن هذه الممارسات نفسها تكررت بعيدا عن قبة البرلمان حينما وصفت رئيسة إحدى الجمعيات القضاة أنهم مرضى نفسانيون، واستمرت حملات التشكيك في القضاء وامتدت في بعض الأحيان إلى وسائل الإعلام من خلال نشر أخبار زائفة أو التضخيم في وقائع معينة. وإذا عدنا إلى القنيطرة التي تستعد لاستقبال جموع القضاة الغاضبين، سنجد أنها عرفت في محاكمها أكثر من حالة اعتداء مست عددا من القضاة، فمن واقعة الاعتداء اللفظي على قاضية داخل مكتبها صادر عن أحد المحامين، إلى اعتداءات لفظية أخرى مست قضاة أحكام وقضاة للنيابة العامة آخرها تعرض أحد قضاة الأحكام بالمحكمة لإهانة وتهديد ببهو المحكمة بتاريخ 20 فبراير الماضي من قبل شخص مباشرة بعد علمه بصدور حكم قضائي ضده في ملف جنحي، وإهانة أحد قضاة النيابة العامة بالمحكمة نفسها في توقيت سابق من قبل أحد المتهمين المقدمين أمام النيابة العامة، والذي عمل على سبه ونعته بأبشع الأوصاف بمناسبة قيامه بمهامه عضوا من أعضاء النيابة العامة. دون أن ننسى محاولات إقحام القضاء في المزايدات السياسية.إن الخطير في مثل هذه الاعتداءات، لا يكمن فقط في تنامي هذه الظاهرة وإنما أيضا في الطريقة التي يتم بها التعامل معها، إذ أن عدم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة من قبل الجهات المسؤولة يشجع على تكرارها، بل ويعد تقصيرا من شأنه التأثير سلبا على هيبة القضاء، وتهديدا خطيرا لاستقلالية القضاة.ويكفي في هذا الصدد التذكير بالمقتضيات القانونية الموجودة خاصة الفصل 20 من النظام الأساسي للقضاة، والذي ينص على أن الدولة تحمي القضاة مما قد يتعرضون إليه من التهديدات والتهجمات والسب والقذف ضمن مقتضيات القانون الجنائي والقوانين الخاصة الجاري بها العمل، وما هذا النص إلا تأكيد لما أوردته المعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاء ومن بينها -على سبيل المثال لا الحصر- قواعد بنغالور التي أكدت ممارسة القضاة لمهامهم دون مؤثرات خارجية أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة كانت أو غير مباشرة من أي جهة كانت أو لأي سبب.إن تراخي الجهات المسؤولة في التصدي حالات الاعتداء على القضاة من جهة واستمرار تبعية النيابة العامة لوزارة العدل وللسلطة التنفيذية عموما، يضعف من نجاعة أي دور مرتقب للنيابة العامة في هذا المجال في ظل المقتضيات التشريعية الراهنة، ويكفي في هذا الصدد التذكير بواقعة مماثلة عرفتها المحكمة الابتدائية بطاطا حيث استدعت المفتشية العامة بوزارة العدل قاضيا للنيابة العامة بسبب تصديه لحالة اعتداء تعرض له قاض آخر بالمحكمة التي يعمل بها إذ قام بتطبيق القانون، والتداعيات التي عرفتها هذه القضية والتي تجعل كل جهة مسؤولة تفكر ألف مرة قبل اتخاذ المتعين في قضايا مماثلة في ظل غياب أي معايير واضحة ودقيقة تحدد طريقة العمل أو آلية التدخل الناجعة، خاصة مع انعدام الدور المؤسساتي للإدارة القضائية التي لا تزال في كثير من الأحيان تشتغل بعيدا عن الاحترافية.وفي الأخير، فإن ثمة أسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها بخصوص غضبة القضاة الذين اختاروا الخروج إلى العلن وتكسير حاجز الصمت من جديد وتنظيم وقفة احتجاجية للتنديد بكل هذه الانتهاكات، والانفتاح على المواطنين سيما بعدما أصبح القضاء شأنا مجتمعيا، فمن حق المواطن العادي أن يعرف اليوم أن قضاته غاضبون. بقلم: أنس سعدون, عضو نادي قضاة المغرب