الدولة أخلت بحماية القضاة من التهجمات والتهديدات أثناء ممارستهم لمهامهم يستعد نادي قضاة المغرب الجمعية الأكثر تمثيلية للقضاة بالمملكة المغربية لتنظيم وقفة غضب للقضاة بعد غد (الجمعة) بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة ابتداء من الساعة الثالثة عصرا. وهي وقفة تأتي استجابة لدعوة المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة في اجتماعه المنعقد بتاريخ 23 فبراير الماضي، والتي تم تأكيدها أيضا في البيان الصادر عن المكتب الجهوي بتاريخ 10 أبريل الماضي والذي حدد مكان وتاريخ وقفة الغضب. من المنتظر أن تشهد وقفة غضب للقضاة إقبالا كبيرا من طرف القضاة بالنظر إلى موضوعها والذي يحمل إشارات قوية على الاحتقان الذي يسود المشهد القضائي، والمستمد أساسا من العنوان البارز وغير المسبوق لوقفة القضاة : وقفة الغضب ، فما هي يا ترى مسببات غضبة القضاة؟بداية لا حاجة للتذكير بشرعية هذا الشكل التعبيري الذي أعلنه نادي قضاة المغرب باعتباره مظهرا من مظاهر حرية التعبير المكفولة طبقا لنصوص الدستور وللمعايير الدولية في هذا المجال. وقد سبق للقضاة أن نظموا وقفات جهوية مماثلة في الآونة الأخيرة، كانت أولاها تلك التي شهدتها المحكمة الابتدائية بتاونات إثر اعتداء تعرض له أحد قضاتها، إلى جانب وقفة أخرى بمحكمة الاستئناف بآسفي على اثر حملة التشهير والإساءة التي طالت عددا من قضاتها، دون أن ننسى الوقفة الوطنية التاريخية التي نظمها القضاة أمام محكمة النقض وهم مرتدون بذلهم الرسمية حيث رفعوا شعارات مطالبة بالاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية.إلا أن لوقفة بعد غد (الجمعة) طعم خاص بالنظر إلى موضوعها وهو الغضب، والذي مرده تنامي حملة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها القضاة أثناء قيامهم بمهامهم من جهة، ثم إخلال الدولة بواجبها المتمثل في ضمان حمايتهم من التهجمات والتهديدات أثناء ممارستهم مهامهم أو بسببها من جهة ثانية.إن موضوع الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها القضاة ظل ولوقت قريب يدخل ضمن الطابوهات المسكوت عنها، لعدة اعتبارات أهمها الرغبة في الحفاظ على هيبة القضاء من أي خدش حتى لو كانت هذه الهيبة موجودة فقط من الناحية النظرية، ثم تكبيل القضاة أنفسهم بقيود ما يسمى بواجب التحفظ الشيء الذي منعهم من فضح بعض الممارسات التي كانت تعيق عملهم، دون أن ننسى هشاشة الحماية التي توفرها لهم النظم والتشريعات المختلفة والتي تكرس هيمنة واضحة للسلطة التنفيذية وتغول الإدارة القضائية، فضلا عن غياب تكتلات قضائية مهنية مستقلة تدافع عنهم. لقد أسهم الوضع الجديد الذي عرفه المغرب بموجب التعديل الدستوري الأخير والذي كرس العديد من المقتضيات المتعلقة بالسلطة القضائية في إحداث تحول مهم في المشهد القضائي بفضل ظهور فاعل جديد وهو نادي قضاة المغرب أول جمعية مهنية مستقلة للقضاة، والانخراط الواسع للقضاة في ممارسة حقهم في التعبير العلني وتحولهم من مجرد موضوع للإصلاح إلى عنصر فاعل في الإصلاح المنشود ، وهي عوامل من بين عوامل عديدة أخرى أسهمت في فضح محاولات التأثير غير المشروع على القضاة والتي تلونت أشكالها وتعددت الجهات الصادرة عنها وتفاوتت درجات خطورتها، إذ تراوحت بين الاعتداءات اللفظية والاعتداءات الجسدية والتهديد بالقتل.لقد مكنت البيانات المتوالية التي أصدرها نادي قضاة المغرب عبر فروعه الجهوية وكذا أجهزته الوطنية من تقديم تشخيص لظاهرة الاعتداءات المتكررة التي عرفها المشهد القضائي والتي كان أبطالها أحيانا مجرد مواطنين مرتفقين، أو موضوع متابعة أمام القضاء، وتورطت فيها في أحيان أخرى مجموعات ضغط سياسية واجتماعية سيتم الكشف عنها بتفصيل في التقرير السنوي المزمع إصداره قريبا من طرف نادي قضاة المغرب بخصوص محاولات التأثير في استقلال القضاء بالمغرب، بعد سنتين من المصادقة على الدستور الجديد.وإذا كان المجال لا يتسع لذكر كل الحالات المسجلة في هذا الصدد، فسأكتفي بذكر نماذج لها على سبيل المثال، منها الواقعة التي اهتز لها الجسم القضائي إثر اعتداء جسدي بالسلاح الأبيض تعرض له نائب لوكيل الملك بإحدى كبريات المدن أقعده عن العمل لمدة شهور، وتعرض قاضية لاعتداء بشع بالشارع العمومي من قبل امرأة من ذوات السوابق، وتعرض مسؤول قضائي لحادث اعتداء من طرف مجهولين عملوا على رشق سيارته بقارورة زجاجية أثناء وجوده على متنها.وتعرض قضاة في عدد من المحاكم لاعتداءات لفظية من طرف بعض الجهات المنتمية إلى منظومة العدالة، أخطرها ما شهدته المحكمة الابتدائية بخنيفرة، دون أن ننسى الهجمة الشرسة التي تعرضت لها نائبة لوكيل الملك في إحدى المدن العريقة من طرف عمدة المدينة نفسه لأغراض سياسوية وانتخابية ضيقة.إن وتيرة هذه الاعتداءات ومحاولات التأثير تواصلت باستمرار في محاولة لإقحام القضاء في مزايدات سياسية كانت قبة البرلمان شاهدة عليها في أكثر من واقعة منها خروج تصريحات مسيئة للجسم القضائي استهدفت في احدى المرات هيأة قضائية بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة وصفت بأبشع النعوت على سبيل التهكم، فقط لحرصها الشديد على تطبيق النص القانوني ، بل وقد تم وصف حكم قضائي صادر باسم جلالة الملك وطبقا للقانون «بالبلادة» في واقعة أخرى، دون أن ننسى ما قيل أكثر من مرة عن وجود قوائم للقضاة الفاسدين دون مد الجهات القضائية المختصة بالإثباتات اللازمة وفق المساطر المعمول بها بعيدا عن المزايدات والاسترزاق السياسي. بقلم: أنس سعدون, عضو نادي قضاة المغرب