مكافحة الجريمة حسب المفهوم العلمي الحديث للسياسة الجنائية لا تتقيد بإنزال العقاب إن مفهوم السياسة الجنائية وطابعها ونطاقها جاء نتيجة تطور وظيفة القانون الجنائي ذاته الذي يتطور حسب تقدم المجتمع وتطور الإنسان الذي هو محور هذا القانون، ولهذا ينص القانون الجنائي المغربي في فصله الأول على أن « التشريع الجنائي يحدد أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي ، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية». ظلت فكرة العقاب حتى منتصف القرن الماضي النظام الوحيد الذي لا يتصور نظام غيره في مكافحة الجرائم، وكان هذا الاعتقاد مبنيا على أساس أن الجريمة مجرد حادثة فردية منعزلة تفسيرها الوحيد هو سلوك الفرد الاختياري الشاذ، أي خارج على قواعد سلوك المجتمع المستقيم، وأن المجرم ليس بالتالي إلا نمطا واحدا لا يتغير في كل الأحوال، فهو الإنسان العاقل البالغ الذي أقدم مختارا بإرادته الحرة على ارتكاب جريمة معينة حددها القانون أو تعارف الناس على أنها جريمة، وأن العقاب هو الوسيلة الوحيدة ورد الفعل المنطقي لمنع الجريمة، سواء بقصد تحقيق العدالة التي تقضي بأن يكون هناك جزاء لكل مذنب أو بقصد تحقيق المصلحة الاجتماعية عن طريق زجر وردع المجرم، ثم تسرب الخلل والتصدع إلى هذا البناء الفلسفي العتيق بظهور «علم الإجرام» الذي كشف الحقيقة العلمية في هذا المجال ألا وهي أن الإجرام ظاهرة اجتماعية وأن للقانون الجنائي بالتالي وظيفة اجتماعية لا ينفرد بتحقيقها العقاب وحده وربما أن العقاب بمعنى الإيذاء المقصود لذاته أدى إلى عدم تحقيقها.إن المقصود من هذا التلازم بين تطور فكرة العقاب ووظيفة القانون الجنائي الذي قام في الأصل على فكرة العقاب، وتطور مفهوم السياسة الجنائية وطابعها هو أن القانون الجنائي والسياسة الجنائية شيء واحد أو أنهما وجهان لعملة واحدة، أحدهما نظري مجرد، والآخر عملي تطبيقي، ومن هنا يجب التمييز في السياسة الجنائية الشاملة بين شقين : فهناك الشق الذي لا يبدأ إلا مع وقوع الجريمة، وهذا هو مجال القانون الجنائي تشريعا وقضاء ابتداء من سن القوانين إلى البحث والتحقيق والمتابعة والمحاكمة والتنفيذ الزجري، وهذا هو مجال «السياسة الجنائية « بالمعنى الضيق الذي لم نلمس غيره حتى الآن ولكن هناك ما أفضل تسميته» بالسياسة الجنائية الوقائية» أي أنها ترمي إلى تجنب وجود المجرم أو تجنب وقوع الجرائم بمحاولة القضاء على مصادر أسبابها الاجتماعية، وهذا هو مجال عمل وزارة العدل والباحثين والدارسين لمعرفة أسباب ودوافع الجريمة وهو الذي يدخل فيه على سبيل المثال العناية بمشكلة الأحداث المشردين والجانحين وهي مشكلة اجتماعية لا جنائية، ولكن عدم إيجاد الحلول السليمة لها يمهد لوجود المجرمين وكثرة الآفات والعلل الاجتماعية مثل عادة الإدمان على المخدرات، وهي التي من أجلها بالذات أنشئ المكتب الدولي العربي لمكافحة المخدرات ومعالجة مشاكل الأسرة والسكان والعمران والصحة العامة وظاهرة الأمية ، و هذه هي المشاكل التي تكون السبب في اطراد وازدياد نسبة الإجرام و تدهور الأوضاع الاقتصادية المختلفة وظهور مشكلات الفقر والبؤس والهجرة والبطالة التي لا يمكن حلها إلا بالتخطيط للتنمية الاجتماعية وفتح مجالات العمل والإنتاج وتحقيق عدالة التوزيع والحد من الفوارق الاستفزازية بين المواطنين للقضاء على مصادر الحقد والانتقام من الطبقة الغنية.إن السياسة الجنائية وفقا للمفهوم العلمي الحديث يتم التخطيط لها على أساس أن الجريمة ظاهرة اجتماعية لها أسبابها الذاتية والاجتماعية أو البيئة، ولها بالتالي وسائل مكافحتها التي لا تتقيد حتما بفكرة إنزال العقاب، ويتناول هذا التخطيط بالضرورة قطاعات القانون الجنائي الثلاثة وهي :1 - قطاع تشريع التجريم حيث تحدد أصناف الجرائم وما يقابلها من عقوبات وغيرها من التدابير ويضم ذلك ما يسمى بالقانون الجنائي ونسمي التخطيط هنا «السياسة التشريعية» وهنا يطرح السؤال : من له الاختصاص في وضع السياسة الجنائية ؟ هل الحكومة السياسية التي انتخبها الشعب أم رجال القانون والفقهاء أهل الدار ؟.2 - قطاع القضية الجنائية ابتداء من ضبط المجرم حيث يجب فحص المجرم ذاتيا واجتماعيا للكشف عن حقيقة شخصيته وواقعه الاجتماعي وظروفه الإجرامية والنفسية ودوافعه الإجرامية تمهيدا لتقديمه إلى القضاء لما يتلاءم مع حالته من أوجه المعاملة الجنائية الرامية إلى العلاج أو التقويم والتأهيل، وهذا ما يعرف باسم «قانون المسطرة الجنائية» ونسمي التخطيط في هذا القطاع « السياسة القضائية ». 3- قطاع السجون وغيره من المؤسسات العقابية وتنظمه التشريعات الخاصة بذلك وعلى رأسها « قانون تنظيم السجون» ونسمي التخطيط في هذا المجال : «السياسة السجنية».ويتخلص منطق السياسة الجنائية العلمية أو الاجتماعية في أنه ما دامت ظروف كل جريمة وكل مجرد تختلف من حالة إلى أخرى فإن المواجهة الجنائية بالعقاب أو بغيره من الوسائل يجب أن تختلف أو تتفاوت ، فيكون لكل حالة ما يلائمها بما يتيح الفرصة لتحقيق أكبر قدر من الغرض المنشود وهو الإصلاح وإعادة الإدماج مثلا : فالشخص الذي يسرق لأول مرة خبزا من أجل إطعام أولاده الصغار الجائعين لا يدخل في دائرة المجرمين المحترفين، وكما يقول المثل الفرنسي: مرة واحدة ليست عادة« une fois n’est pas coutume » ولقد ابتدع أحد الجنائيين الفرنسيين ما يسمى التفريد للتعبير عن هذا المنطق الذي هو في الحقيقة عصب السياسة الجنائية الواقعية وشعارها، وكان تفريد المعاملة في السجون أي التفريد في نطاق السياسة السجنية هو بالضرورة أسبق الصور إلى الظهور، ما دام أن السياسة الجنائية كانت أصلا سجنية في بداية أمرها على ما ذكرنا، ثم ظهر بعد ذلك التفريد القضائي وأعقبه التفريد التشريعي تبعا لتطور مفهوم السياسة الجنائية واتساع نطاقها.وبالنسبة إلى تشريع الجرائم يمكن القول أن الاعتبار الذي يجب أن يتحكم في التجريم هو مبدأ الشرعية، ومعناه في إيجاز هو تأسيس الجرائم على اعتبارات من مصلحة المجتمع واحترام الحريات الفردية شريطة أن لا تمس هذه الحريات بحقوق وحريات الآخرين، فالجرائم ليست إلا مجموعة من المحظورات التي تشكل بحكم طبيعتها هذه قيودا على نشاط الفرد وحريته في التصرف بصورة مطلقة، ومن العدل أن يكون لهذه القيود مبرر من المصلحة العامة التي تعلو على المصلحة الفردية وأن لا تتجاوز القيود ما يتطلبه تحقيق تلك المصلحة ، وكل تجريم لا تبرره المصلحة العامة أو يتجاوز الحدود الضرورية هو مناف لحقوق الإنسان، أي أنه لا يستند إلى الشرعية. وهناك جرائم تكتسب شرعيتها من الإحساس المجتمعي العام أو الشعبي وما تعارف عليه الناس في المجتمع من تجريم تصرفات معينة لما تنطوي عليه من اعتداء على الحرمات وانتهاك القيم الاجتماعية والأخلاق العامة فلا حاجة إلى هذه الجرائم لقانون لينظمها ويكسبها الشرعية لأن العرف القضائي كفيل بتثبيت نماذجها وتحديد معالمها. بقلم: حسوني قدور بن موسى, محام بهيأة وجدة