إصلاح العدالة يقتضي تشخيص وضعية القضاء والتحديات التي تواجهه قانونيا وإداريا وقضائيا مما لاشك فيه، فإن مخطط إصلاح وتطوير منظومة العدالة يجب أن يتحدد على ضوء الفلسفة الدستورية الحديثة لاستقلال القضاء والتصورات المرتبطة بدوره في المجتمع. وإذا كان مفهوم القضاء يرتبط بدوره التقليدي المتمثل في الحسم في النزاعات الناشئة بين الأشخاص ، فلقد أصبحت للقضاء في المجتمعات المعاصرة أدوارا جديدة، سواء على مستوى ترسيخ الديمقراطية وصون حقوق الإنسان، أو في مجال سيادة الأمن القضائي وتحقيق استقرار المعاملات، أو في اعتبار القضاء دعامة أساسية للتشجيع على الاستثمار، وآلية مساعدة على تعزيز المكانة الحقوقية للدول على الصعيد العالمي. لقد شكل الدستور المغربي الجديد بحق تحولا تاريخيا حاسما، في مسار استكمال بناء دولة الحق والمؤسسات الديمقراطية، وترسيخ استقلال القضاء ودعم مبادئ وآليات الحكامة الجيدة لمرفق القضاء،حماية للمقاضين وصونا للأمن القانوني والقضائي.إن مخطط الإصلاح يتحدد كذلك على ضوء ضرورة الاستجابة لتطلعات المتقاضين ومختلف الفاعلين، وكذا مختلف المتدخلين في الميدان القضائي، وهي تطلعات ترتكز بالأخص على توفير فعالية ونجاعة القضاء، بما يقتضيه ذلك من تمكين القضاء من الموارد البشرية اللازمة والوسائل المادية الكافية والحديثة للقيام بمهامه على الوجه الأمثل.القضاء وتوطيد الديمقراطية ودولة القانونفي بلد ديمقراطي كالمملكة المغربية، يقوم القضاء بدور ريادي في مجال ترسيخ القيم والمبادئ الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان، وضمانات الحريات الفردية والعامة، والسهر على تحقيق المساواة أمام القانون. وهو بذلك يساهم بكيفية مباشرة في توطيد دولة القانون والمؤسسات. ويتجلى دور القضاء في هذه الميادين في حضوره الدائم في جميع المسائل الأساسية المرتبطة بالدولة، لاسيما دوره في ميدان الانتخابات، وفي الفصل في المنازعات القائمة بين الإدارة والمواطنين.القضاء وتحقيق الأمن القضائي وترسيخ الثقةيتجلى الطابع الحمائي للقضاء في سهره على التطبيق السليم للقانون. وهذا هو مبعث مقومات الثقة في المؤسسة القضائية والاطمئنان إلى ما ينتج عنها من قرارات، وهي تقوم بمهمتها المتمثلة في تطبيق القانون على ما يعرض عليها من قضايا، أو ما تجتهد بشأنه من نوازل. وذلك مع توفر ضمانات جودة أداء القضاء، وتسهيل الولوج إليه، وتمكين العموم من التعرف على مجريات العمل القضائي، وهو ما يتحقق في النهاية معه قيام الأمن القضائي.ذلك أن مفهوم الأمن القضائي ينبني على ترسيخ الثقة في القضاء، عن طريق الإدارة الجيدة والعادلة لبته في القضايا. ويقوم القضاء بمختلف فروعه بهذا الدور الهام، سواء أكان قضاء عاديا، أو إداريا، أو تجاريا، مكرسا بذلك مبدأ الأمن القضائي الذي يعتبر حاجزا وقائيا لفائدة الأشخاص ضد تجاوزات بعضهم البعض.وإن المستفيد من دور القضاء بهذا الخصوص هو المتقاضي بصفة خاصة، والنظام القانوني بصفة عامة. ومن أهم تجليات هذه الفائدة ذات الطابع الجماعي، شيوع الثقة، والاطمئنان إلى فعالية النصوص القانونية، والوثوق بالقانون والقضاء في النهاية. حيث يسود الشعور بأن الأفراد والمؤسسات محميون وبالمساواة بينهم في ما يتعلق بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.القضاء وضمان استقرار المعاملات وتشجيع الاستثماريقوم القضاء بدور هام في توطيد الاستقرار في المجتمع وذلك عن طريق خلق الثقة وسيادتها في المعاملات الاقتصادية والتجارية، بحيث يطمئن الجميع على مصير الاتفاقات والعقود التي تم إبرامها، وتسود الثقة في الحقوق التي يقررها القضاء للنزاعات التي قد تنشأ بصدد المعاملات بين الأشخاص. وهو ما يشجع على المبادرة ويحفز على الاستثمار، نتيجة سيادة الأمن القضائي في ميدان الأعمال، لأن نجاح المقاولة وإن كان يعتمد على منطق اقتصادي فإن القضاء يلعب دورا كبيرا في دعم هذا النجاح.القضاء وترسيخ السلم الاجتماعييساهم القضاء بدور كبير في سيادة السلم الاجتماعي، وذلك بمناسبة نظره في المنازعات المتعلقة بميدان الشغل. بحيث يتدخل القضاء في حل منازعات كثيرة بين أطراف الإنتاج، وتساهم حلوله في التخفيف من التوتر الاجتماعي، وضمان الحماية لكافة أطراف العملية الإنتاجية، مما يساهم في تعزيز مسار التقدم الاقتصادي.مواكبة القضاء لمتطلبات العولمة والانفتاحأمام انفتاح الأسواق العالمية، وحركية رؤوس الأموال والأفراد، فقد أصبح للقضاء أدوارا هامة تستجيب لمتطلبات العولمة، ومستلزمات التعاون القضائي الدولي. إذ يقوم القضاء بتوفير الحماية اللازمة لرؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، بحيث أصبحت فعالية القضاء من أهم عوامل جلب الاستثمارات على الصعيد الدولي.القضاء وتعزيز المكانة الحقوقية للدولة في الخارجيساهم القضاء في تقديم صورة مشرفة عن المغرب في الخارج، بلدا ديمقراطيا، به مؤسسات، وقضاء نزيه وفعال يضمن الحريات والحقوق للجميع. بما لذلك من تعزيز لمكانة المغرب الحقوقية على الصعيد الدولي.القضاء والاستجابة لتطلعات المتقاضين ومختلف الفاعلين في عدالة فعالة وناجعةلقد أصبحت فعالية القضاء تقاس تبعا لعدة معايير، تتعلق بالأخص بمبدأ استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وسهولة الولوج إلى العدالة، والبت في القضايا ضمن آجال معقولة، وجودة الأحكام القضائية وفعالية نظام تنفيذها، وحكامة الإدارة القضائية، ونشر المعلومة القانونية والقضائية. وبصفة عامة فقد أصبحت فعالية ونجاعة القضاء من أهم المتطلبات في القضاء المعاصر، سواء بالنسبة إلى عموم المتقاضين أو الفاعلين الاقتصاديين.القضاء والاستجابة لتطلعات مختلف العاملين في الميدان القضائيلا يمكن للقضاء أن يقوم بمهامه السالفة الذكر على الوجه المطلوب، إلا بتمكينه من الوسائل اللازمة، من حيث الموارد البشرية الكافية، والوسائل المادية اللاحقة، لاسيما استعمال التكنولوجيا الحديثة في إدارة القضاء وكذا على صعيد المهن القضائية. إذ أن توفير المناخ اللائق للعمل بما يليق بحرمة وهيبة القضاء، يعد من أهم الشروط للرفع من وتيرة الأداء القضائي.إن استحضار الأسس والمنطلقات الدستورية لإصلاح وتطوير العدالة يقتضي تشخيص وضعية مرفق القضاء والتحديات التي تواجهه سواء على المستوى القانوني أو الإداري أو القضائي، لتنزيل محكم وديمقراطي للدستور يدعم دولة الحق والقانون ،ويراعي دور القضاء في حماية الحقوق والحريات وصون الأمن القانوني والقضائي . بقلم: محمد الهيني , مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط