fbpx
افتتاحية

غصة العيد

كان بالإمكان أن نستمتع، في نهاية الأسبوع، بمشهد الأطفال في كامل أناقتهم وملابسهم الجميلة، يتجولون في الشوارع والحدائق وفضاءات اللعب، أو يصحبون آباءهم إلى المساجد، أو لزيارة الأهل والأحباب لصلة الرحم، لو تعاملت الحكومة بجدية أكبر مع فيروس كورونا، بعيدا عن الصراعات والضرب تحت الحزام.
وكان بالإمكان أيضا، أن نحتفل جميعا بالعيد في أجواء رائعة، ونحن نودع شهرا كريما من الصيام والعبادة والقيام والحسنات والذكر والزكاة، لو انضبط بعض المواطنين إلى تدابير الحجر الصحي، ولزموا منازلهم ولم يغادروها إلا للضرورة القصوى، لتفادي انتشار البؤر العائلية.
وكان ممكنا، في مقام ثالث، أن نسرق لحظة فرح مستحقة بالعيد ونحيي أجواءه وطقوسه في ظروف أحسن، لو غلب أرباب مصانع وشركات الحس الوطني والمصلحة العامة، على نزوات الاستغلال والربح السريع والمصالح الشخصية الضيقة.
لكن للأسف، لن يحدث شيء من ذلك، إذ سيقضي ملايين المغاربة وأطفالهم أيام العيد “معتقلين” في بيوتهم، بعيدين عن عائلاتهم، ولن يرفع صوت التكبير في المساجد والمصليات، ولن تقرأ خطبة العيد، ولن يركض الصغار إلى أقرب محل، يشترون عصي الحلوى بقطع النقود التي تحصلوا عليها من إكراميات الكبار.
إنها غصة في القلب أن ينقلب الحال إلى ما هو عليه اليوم، في وقت كان ممكنا، بقليل من العقل والرزانة والالتزام، أن نكون من الفرق الناجية، كما حدث في بلدان، مثل تونس والأردن، التي أذنت لمواطنيها باحتفاليات عيد الفطر، بل ستسمح، في الأيام المقبلة، بفتح عدد من المحلات والمقاهي والمساجد، ووضع ترتيبات لعودة الحياة إلى طبيعتها، بعد أن تمكنت من وضع الفيروس تحت السيطرة.
غصة أخرى نلمسها في وجوه الآباء والأمهات الذين عجزوا، هذه السنة، عن اقتناء ملابس العيد لأبنائهم، بسبب قلة ذات اليد، وانقطاع الأجور والأرزاق، وقد غادر كثير منهم، مكرهين، مناصب عملهم، سواء في القطاع المهيكل، أو غير المهيكل، تحت ضربات أزمة خانقة مازالت تداعياتها مستمرة إلى اليوم.
الغصة نفسها يشعر بها آلاف التجار وأصحاب المحلات التجارية، الذين فرضت عليهم حالة الطوارئ الصحية البقاء في بيوتهم، إذ يحز في النفس مشهد عشرات الفضاءات التجارية والقيساريات، التي كانت تعج بالحركة والرواج في مثل هذه المناسبات، وهي اليوم تعيش حالة إغلاق شبه كلي، ومعه تضيع ملايين الدراهم من القيمة المضافة، كان يضخها هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، دون الحديث عن ضياع عشرات مناصب الشغل الرسمية والموسمية، بسبب تداعيات الجائحة، وعدم التزام المسؤولين والمواطنين بالسيطرة عليها.
إن الوضع صعب جدا، خصوصا حين يتعلق الأمر بلحظات فارقة في حياة الإنسان، وبمناسبات رمزية بحمولة دينية وروحية لا تقبل التأجيل أو التأخير. فقد ينسى المغاربة كل شيء، لكن سيتذكرون، إلى الأبد، أنهم لم يحتفلوا بعيد الفطر كما يجب في 2020.
سيذكرون أن الحكومة لم تنجز واجباتها كاملة، ومواطنين خانوا العهد حين تعاملوا باستهتار كبير مع جائحة قاتلة، وسيذكرون أيضا أن أرباب شركات شرهين سرقوا منهم فرحة مستحقة.
وكل عام ونحن لسنا بخير!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق