الأولى

حديث الصباح: ما زال أمامنا متسع من… التخلف

 

العدالة والتنمية ليس حزبا مقدسا ولا حزبا مستهدفا

 

«المغرب يرزح تحت وطأة المشاكل الكارثية، والناس تناقش موضوع الحريات الجنسية». هكذا قالت صديقتي ذلك المساء قبل أن تضيف: «المغاربة يمارسون الجنس، ولا يحتاجون إلى مناقشة حرياتهم الجنسية. ثم إني لا أفهم لماذا يتم طرح هذا الموضوع الآن بالضبط. السبب واضح، وهو أن الحكومة يترأسها حزب إسلامي يريد البعض استفزازه بشكل مجاني».
هناك إذن ثلاث نقاط في تدخل صديقتي، أراها تعود بشكل مستمر في النقاشات بين الأفراد، سواء على الأنترنيت أو خلال النقاشات العمومية. الأمر يثيرني على أكثر من مستوى وسأحاول الرد على كل من هذه النقاط.
سأبدأ من النقطة الأخيرة: لا أفهم لماذا، كلما انتقد شخص ما شيئا ما في هذا البلد الأمين، يتم اتهامه بأنه يفعل ذلك ضدا في حكومة عبد الإله بنكيران وكأن أحدا لم يكن ينتقد شيئا في السابق. رياح الحرية التي هبت في السنوات الأخيرة على المغرب جعلت الجميع (تقريبا) ينتقد كل شيء (تقريبا) وهذا ما يحدث إلى غاية اليوم. هناك أناس متضامنون مع حزب العدالة والتنمية مبدئيا، مستعدون لتأييد كل مواقفه وخرجاته كيفما كانت، وأناس يعارضونه مبدئيا ويرفضون مبادراته حتى قبل أن تصدر، وهاتان فئتان لا أحترم بالضرورة مواقفهما. لكن فئة ثالثة كبيرة تنتقد ما تراه يستحق الانتقاد، سواء بدر من حزب العدالة والتنمية أو من حزب التقدم والاشتراكية أو من حزب التجمع الوطني للأحرار أو من الحزب الاشتراكي الموحد… لماذا علينا أن نسقط في فخ لعبة الضحية ولعبة المؤامرة في كل شيء؟ «هذه الانتقادات لا تأتي إلا من أعداء العدالة والتنمية»، «هذه النقاشات لا تثار إلا لاستفزاز حزب العدالة والتنمية».
في أحسن الأحوال، هناك -في عبارات من هذا القبيل- قدر لا بأس به من الجهل بالتاريخ الحديث لبلدنا. في أسوأ الأحوال، هناك بعض من سوء النية المبيت. فمن جهة، هذا يجعل الحزب الإسلامي في وضعية الضحية المسكينة المستهدفة، بينما هو في النهاية حزب يسير حكومة وعليه أن يتحمل مسؤولية قراراته وخرجاته الإعلامية، تماما كأحزاب أخرى تنشط في الحكومة أو في المعارضة.
إنه ليس حزبا مقدسا ولا حزبا مستهدفا. من جهة ثالثة، فهذا يعني أن نقاشات الحريات الفردية وحرية المعتقد والحريات الجنسية هي نقاشات وليدة السبعة أشهر الأخيرة، التي تقلد فيها حزب العدالة والتنمية تسيير حكومتنا، في حين أن النقاش أبعد من ذلك بكثير.
هناك جمعيات وجرائد جعلت من هذه المواضيع نواة صراعاتها ونضالاتها، وذلك على الأقل في العشرية الأخيرة. ثم إن العراك احتد أخيرا، ليس لأن «العلمانيين الأشرار» حاولوا استفزاز الحكومة الإسلامية، بل لأن السيد النهاري المحترم أفتى بهدر دم شخص لا يتفق مع تصوره للأمور، لكن نظرية المؤامرة تجعلنا نرى الأمور من زوايا مغلوطة، ونقلب المفاهيم بشكل متعمد أحيانا.

غاربة يمارسون الجنس خارج مؤسسة الزواج (وقس على ذلك استهلاك الكحول أو عدم صيام رمضان)، ولا يحتاجون إلى قوانين ولا إلى نقاشات عمومية في الموضوع. هذا هو الفرق ربما بين تصورين مختلفين للمجتمع الذي نريده ولمستوى نضج الأفراد فيه: هل نريد مجتمعا يفعل ما يشاء في الخفاء، ويكرر علنًا خطاب الأخلاق الحميدة، أم نريد مجتمعا يتحمل أفراده مسؤوليات أفعالهم؟ هل نريد مجتمعا حرا متوازنا ناضجا تحكمه قوانين تتطور مع تطوره، أم نريد مجتمعا يحكمه خطاب أخلاقي بعيد عن ممارساته، ليعيش فيما بعد كل أشكال الانفصام والإحساس بالذنب؟ هذا هو السؤال… وبانتظار الرد عليه، فيمكننا أن نعتبر أن كل النقاشات الدائرة حاليا في مجتمعنا ثانوية، لأن المغاربة يحسنون اللعب على حبل الأخلاق والدين؛ ولأن الكذب على الذات وعلى الآخر لا يطرح أي إشكال في النهاية.
النقطة الثالثة تتعلق بالمشاكل التي يرزح تحت وطأتها المغرب. يتعلق الأمر بالأزمة الاقتصادية وبمشاكل البطالة والفقر والأمية والصحة وغيرها. لا أحد يناقش ذلك.
على مسؤولينا أن يتحملوا مسؤولياتهم لتطوير الاقتصاد الوطني ولحل مشاكل البنيات التحتية والتعليم وغيرها… لكن، هل يعني هذا أن كل ما ســوى ذلك يجب أن يتوقف إلى أن يتطور الاقتصاد؟ لا أفهم أن نقف ضد المهرجانات وضد المسرح وضد الموسيقى وضد نقاشات الحريات الفردية وحرية المعتقد، لأن المغرب لم يتطور بعــد ولم يقلع اقتصاديا. دول أخرى كثيــرة اختارت نموذج التنمية الاقتصادية على حساب الفن والثقافـــة والديمقراطية، لكن التـــاريخ أثبت أن اختيـــارها كان خطأ. نحن نحتاج لبنيــات تحتية قوية، لخدمات صحية في المستوى، لتعليم جيد، لوسائل نقل عصرية، لاقتصاد متطور… لكننا لا نستطيع أن نستغني عن الفن وعن الثقافة وعن الحب وعن النقاشات الفكرية المنفتحة، التي تهدف للنقاش الحر، الواعي والناضج. لا يمكن أن نقول إن الخبز يأتي أولا وبعده قد نحب وقد نفكر وقد نغني… هذه التراتبية قد تكون قاتلة ومدمرة لنا جميعا.

بقلم : سناء العاجي, كاتبة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض