المقصود بالأمن القضائي هو الغطاء الأخلاقي والعملي لحسن سير العدالة وثباتها إن هذه التصورات المعرفية المقارنة لا أصل لها في التشريع التفريعي المغربي (القانون الخاص) أو (التشريع المسطري العام)، إلا أن الدستور الجديد للمملكة يفك هذا الإشكال. ففي تصدير دستور المملكة المغربية نجده يشير إلى أن المملكة المغربية، «وإدراكا منها لضرورة تقوية الدور الذي تضطلع به على الصعيد الدولي»، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا. كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم» . وهي إشارة أساسية تعلو التشريعات المغربية، تسمح للقضاء الوطني بأن يستدخل المباني القانونية الدولية والأعراف في استدلالاته عند البت في المنازعات، دون أن يرتهن رأسا بالتشريعات الجاري بها العمل. بمعنى أنه حتى في مقام نص المادة الثالثة من قانون المسطرة المدنية يمكن لها أن تشكل غطاء لهكذا مجهود ما دام الدستور يظل قانونا أساسيا بدوره، والكل إعمالا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الدستور «تعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة». فيمكن للقضاء المغربي عند النظر في الدعاوى القضائية أن يستعين بالمبادئ الدستورية للالتفاف على بعض النصوص القانونية الفرعية، التي يمكن أن لا تتوافق مع حسن الأحكام القضائية، والتي ربما تتناقض مع حكم العدالة في البت. ولا بد من التركيز على العصرنة لقطاع العدالة إذ بدونها لا يمكن البحث عن الجودة لأننا سنكون قابعين في تأريخ الاجتهاد القضائي النصي، حيث التمسك بنص القانون دون إحاطة لا بروحه ولا بأثره الاجتماعي. معامل الأمن القضائي: كما ستلاحظون أن معامل الجودة القضائية لا يمكن بسطه دونما انتقال لبحث معامل «الأمن القضائي» لأنه بطبعه يشكل مستندا عمليا ونظريا لمعامل الجودة، وعلى هذا جاءت أهمية هذا المعامل. المقصود بالأمن القضائي هو الغطاء الأخلاقي والعملي لحسن سير العدالة وثباتها في اتجاه حماية حقوق المواطن، في أوسع دوائرها. والقضاء بوصفه آلية تفعيل القانون، يجعل أمنها من الأمن القانوني، ونحن هنا لن ندخل في خضم الصراعات الفكرية بخصوص هذا المفهوم بقدر ما سنعتمد الوسطية في التعريف المتسالم عليه، يعرف الفقيه كورنو الأمن القانوني بأنه « كل ضمانة، كل نسق قانوني حمائي يرمي إلى تأمين – دون مفاجأة – التنفيذ الأمثل للالتزامات، وإزالة انعدام اليقين أو لا أقل التخفيف منه عند تحقيق القانون». فمرتكزات الأمن القانوني ثلاثة: أولها اليقين وثانيها الفاعلية وثالثها السلم القانوني، وبغض النظر عن الاستشكالات التي عرفها المفهوم وتضارب الآراء بخصوصه، فهذا هو القدر المتيقن المتسالم عليه. وإذا ما تحولنا إلى بحث دور القضاء في مقام حماية الأمن القانوني المعياري، فإننا بالضرورة سنكون أمام هذه المرتكزات الثلاث أي اليقين والفاعلية والسلم القانوني. فما هو دور القضاء أمام هذه الثلاثية؟ على مستوى اليقين فإن القضاء يكون ملزما بتوحيد تصوره وفاقا للمتحولات الاجتماعية الكبرى، وناظرا إلى التنمية الاقتصادية كموجبة أساسية، لأنه وكما أوضحنا أعلاه بخصوص الجودة فإن الأحكام القضائية تكون مفتوحة على الاستدلالات العامة للبت في المنفعة الاجتماعية. ولا يمكن أن يتحقق ثمة يقين دونما توحد كبروي في اتجاه القضاء، والانتهاء من التوجهات التفريعية لمحاكم المملكة، والتي أضحت ناضحة وبينة لنا نحن كممارسين أو كباحثين. وأما على مستوى الفاعلية فيتعين على القضاء أن يفتح آفاق الفاعلية القضائية لتؤثر على مجمل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد، وذلك بإيصال المعلومات الكافية بخصوص أحكامها مبدية التوجه العام القضائي بالمملكة. مما يكفل للمواطن معرفة أكثر عمقا بالنسق القضائي في المملكة في كل تفصيلة من تفاصيل حياته، وعلى هذا المستوى الأدلة العملية التي تصدرها وزارة العدل يتناسب التوقف عنها، واستبدالها بأدلة عملية تصدر عن السلطة العليا للجهاز القضائي، حتى يتيسر للمواطن معرفة التوجه العام. وعلى مستوى السلم القانوني فهو كمفهوم وإن كان أقرب إلى الفلسفة القانونية منه إلى نظرية القانون، فإنه مفهوم حيوي جدا لأنه يهدف إلى المحافظة على استقرار المملكة وضمان الأمن الاجتماعي ووضوح الرؤية. لا أن يتحول النزاع بين طرفي الدعوى إلى نزاع مزمن يتكثر في المجتمع ليتحول إلى برميل بارود مستعد للانفجار في أي لحظة. لذا أضحى من المناسب الاهتمام بهذا الجانب من الأمن في المملكة، بوصفه أمن غير تقليدي فالقضاء صمام استقرار كما قد يضحي فتيل انفجار. خــاتــــمــــــــةحاولنا جهد المستطاع لملمة النقاش في ورقة مختصرة جدا دون أن ننسى التركيز على النقاط الحيوية في الموضوع، بمعنى نقص غير مخل بصلب الورقة، وما خلصنا إليه يحتاج إلى مزيد تعميق وتقليب للنظر، وربما بدلا من مناقشة ورش إصلاح العدالة نعكف على ورش الجودة والأمن القضائي، لأنها بالضرورة مؤدية إلى الإصلاح. *محام بهيأة الدار البيضاء