fbpx
حوادث

دراسة: تعليق على قرار المجلس الأعلى سقوط طلب النقض في القضايا الجنائية (2/2)

القاعدة تقضي بأن النص الخاص يقدم على النص العام عند التعارض

لقد أثار انتباهي زميلي النقيب الممارس بطنجة إلى قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 12/7/2000 وهو الآن موضوع دعوى مدنية تتعلق بالمطالبة بالتعويض أساسها الخطأ المهني، لكون المجلس الأعلى لم يحكم لصالح طالب النقض..وقد أمدني الزميل المحترم بنسخة منه، ورغم أنه صدر في ظل قانون المسطرة الجنائية السابق،فهو ذو أهمية بالغة لما قد يحدثه من آثار

باعتباره أساس موضوع دعوى التعويض، مما حفزني للقيام بالتعليق عليه.

إن القرار موضوع هذا التعليق – على ما يظهر –  كسر هذا الاستمرار والتواتر عند المجلس الأعلى في هذا الصدد ،إذ اعتبر أن المذكرتين لم تقدما إلا بتاريخ 23/9/1996 و 2/10/1996 أي خارج الأجل القانوني، ما يتعين معه استبعادهما من المناقشة والحكم بسقوط الطلب، أي أنه رتب عن استبعاد المذكرة سقوط الطلب دون أي اعتبار للفقرة الرابعة من الفصل 579 من ق.م.ج السابق، لأن تقديم المذكرة ليس إلزاميا في القضايا الجنائية ،وأن القضية موضوع هذا التعليق هي قضية جنائية بالنظر إلى الأفعال المكونة لها والى العقوبة التي قررها القانون لهذه الأفعال   ، ذلك أن العبرة في تكييف الواقعة بأنها جناية أو جنحة هي بالوصف الذي تنتهي إليه المحكمة التي نظرت الدعوى دون التقيد بالوصف الذي رفعت به تلك الدعوى أو يراه الاتهام ..  ،فيكون بذلك هذا القرار قد خالف القرارات السابقة والمشار إليها آنفا وتناقض معها في هذا الصدد .
ويظهر أن المجلس الأعلى ،عاد مرة أخرى إلى وضعه الطبيعي السابق ،وقرر بتاريخ 10/1/2001  أنه :” لئن كانت مذكرة بيان أسباب الطعن بالنقض التي وضعت خارج الأجل القانوني لا ينتج عنها أي أثر قانوني ويتعين إقصاؤها من المناقشة ،فان الطعن بالنقض مع ذلك يكون موافقا لما يقتضيه القانون طالما أن الفصل 579 من قانون المسطرة الجنائية يجعل الإدلاء بالمذكرة إجراء اختياريا في الجنايات بالنسبة للمأمور عليه طالب النقض”.
وبمقارنة بسيطة بين مقتضيات الفصل 579 من قانون المسطرة الجنائية السابق والمادة 528 من قانون المسطرة الجنائية الحالي يلاحظ مدى تعقيد الإجراءات في الفصل 579  م.ج سابقا من حيث الآجال وتنوعها وبداية احتسابها بالنسبة لشهادات كتابة الضبط عن عدم توقيع أصل الحكم في الأجل القانوني، أو بالنسبة لاعتبار الحكم جاهزا ورهن إشارة الطاعن، أو سواء بالنسبة لوضع مذكرة بيان أسباب النقض . ولكن المادة 528 من قانون المسطرة الجنائية الحالي حلت تعقيدات هذه الإشكاليات بصورة واضحة ومبسطة، إذ نصت على ما يلي :” يسلم كاتب الضبط نسخة من المقرر المطعون فيه مشهودا بمطابقتها للأصل إلى المصرح بالنقض أو محاميه خلال أجل أقصاه ثلاثون يوما تبتدئ من تاريخ تلقي التصريح …الخ”.
وبطبيعة الحال ، فان هذه المادة من قانون المسطرة الجنائية الحالي لم تأت بجديد سوى تبسيط إجراءات احتساب الآجال لوضع مذكرة أسباب النقض، وجاءت بكل العناصر الأخرى الواردة في فقرات الفصل 579 من قانون المسطرة الجنائية السابق ، مضيفة في فقرتها الأخيرة إمكانية أخرى لوضع مذكرة بيان أسباب النقض في حالة عدم تسليم نسخة الحكم داخل أجل 30 يوما من طرف كاتب الضبط ، بحيث تفتح أجلا آخر لوضع هذه المذكرة مدته 60 يوما ابتداء من تاريخ تسجيل الملف بكتابة ضبط المجلس الأعلى وذلك بعد اطلاع الطاعن على الملف.
ثانيا: مدى أهمية الشهادة المسلمة من كتابة الضبط بكون القرار غير جاهز في القضايا الجنائية .
إن الشهادة التي تسلمها كتابة ضبط المحكمة للطاعن بالنقض بأن القرار غير جاهز نجدها منظمة في الفقرة الثانية من الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية السابق التي جاء فيها “غير أنه في حالة عدم احترام الأجل المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 353 من هذا القانون بتسليم شهادة من كاتب الضبط تثبت ذلك” وهذا الأجل الذي لم يحترم يتعلق بتوقيع الرئيس و كاتب الضبط للحكم أو القرار أقصاه ثمانية أيام من تاريخ صدوره. فهل فعلا هو ثمانية أيام بالتمام و الكمال ؟ ،أم يخضع في احتسابه لقاعدة الآجال الكاملة بحيث لا يحتسب يوم الافتتاح ولا يوم الاختتام ؟
أعتقد أن الأمر واضح جدا من عبارة الفقرة الأولى من الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية السابق التي جاء فيها:”يمضي الرئيس و كاتب الضبط أصل الحكم أو القرار في أجل أقصاه ثمانية أيام من تاريخ صدوره.” أي أن عبارة في أجل أقصاه  لا تدع أي شك في محدودية الأجل الذي يكون بدون أي زيادة، إذ أن كلمة “أقصاه” من الناحية اللغوية هي من أقصى الشيء بمعنى أبعده وبلغ أقصاه، أي أن أقصى المدة هي ثمانية أيام ، ولا يمكن اعتبار هذا الأجل من الآجال الكاملة بسبب مفهوم تلك الكلمة. وحتى لو تعارضت مقتضيات هذه الفقرة من الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية السابق مع الفصل الذي يقضي بكون الآجال تكون تامة ( الفصل 764 من قانون المسطرة الجنائية السابق)، فإن الفصل المطبق هو الفصل 353 السابق، لأن القاعدة تقضي بأن النص الخاص يقدم على النص العام عند التعارض، والنص الخاص هنا هو الفقرة الأولى من الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية.
ومن تطبيق هذه القاعدة على القرار موضوع هذا التعليق ، يتبين أن الحكم المطعون فيه بالنقض صدر في 12/06/1996 والشهادتان المسلمتان من كاتب الضبط كانتا في 20 و 21/6/ 1996، بحيث ينتهي أجل ثمانية أيام من تاريخ صدور الحكم  في 19/06/1996  مما تكون معه الشهادتان المسلمتان لدفاعي الطاعن قد سلمتا بعد نهاية الأجل المحدد قانونا ، وليس كما صرح به القرار المعلق عليه من كونهما سلمتا قبل أوانهما وبالتالي فلا يترتب عنهما أي أثر قانوني باعتبار الآجال تامة .
و مما يلاحظ أن الفقرة الأولى من الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية السابق هي مطابقة تماما للفقرة الأولى من المادة 371 من قانون المسطرة الجنائية الحالي ، إذ قررت هي الأخرى أن أقصى مدة لتوقيع أصل الحكم  أو القرار أو الأمر من طرف الرئيس وكاتب الضبط هو داخل أجل أقصاه ثمانية أيام من تاريخ صدوره.
ولكن بالرغم من كل ما سبق ، فإن الإشكال يبقى مطروحا بشأن مدى الاعتبار و الأهمية التي للشهادة الضبطية لإثبات ذلك في هذا الصدد فيما يخص القضايا الجنائية ؟
لا بد أولا وقبل الجواب على هذا السؤال ، من التذكير بأن إيداع مذكرة بيان أسباب النقض في القضايا الجنائية هي اختيارية بمعنى أنه إذا ما قدمت هذه المذكرة خارج أجلها القانوني أو لم تقدم بالمرة فإنها تعتبر في حكم اجتهاد المجلس الأعلى غير ذات قيمة وتستبعد من المناقشات، ولا يؤدي الأمر إلى سقوط الطلب بسببها بل ولا حتى بسبب وجود أو عدم وجود الشهادة الضبطية لاحترام الأجل المشار إليه آنفا في القضايا الجنائية .
وهكذا فقد قرر المجلس الأعلى أن الطاعن المدان من أجل جناية ولئن كان لم يقم بإيداع المذكرة المعززة لطلب النقض ، المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 528 من قانون المسطرة الجنائية فإن الفقرة الثالثة من نفس المادة قد جعلت من تقديم تلك المذكرة إجراء اختياريا   ، وبالتالي فان وجود الشهادة الضبطية أو عدم وجودها لإثبات احترام أجل توقيع أصل الحكم ، مسألة غير ذات أهمية أو قيمة قانونية كلما تعلق الأمر بقضية جنائية .
ولعل هذا الأمر هو الذي أدى بالمشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية الحالية إلى تغيير النص السابق لتعقيداته الكبيرة، وجعله بسيطا في النص الحالي دون إلزام الطاعن بالنقض بأي إثبات من أن الحكم أو القرار غير جاهز .

بقلم: النقيب الطيب بن لمقدم: محام بهيأة الرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى