القرارات المرتبطة بعملية فرض الواجبات يختلف الاختصاص بنظر نزاعات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفقا للنظام المأخوذ به، سواء كان نظاما موحدا تتولى الوظيفة القضائية جهة قضائية واحدة تقوم وفقا لقواعد قانونية موحدة بالفصل في جميع المنازعات، أو ما ينشأ منها بين الأفراد أو بين هؤلاء والدولة أو الإدارة،أو نظاما مزدوجا يقوم على أساس وجود جهتين قضائيتين مستقلتين تتولى إحداها وهي جهة القضاء الإداري الفصل في المنازعات ذات الطبيعة الإدارية وحدها، وذلك وفقا لقواعد قانونية مستقلة كأصل عام عن قواعد القانون المدني، والثانية جهة القضاء العادي إلى حيث تختص بالفصل في المنازعات بين الأفراد وكذلك بالمنازعات التي تثور بينهم وبين الإدارة التي لا يتوفر لها وصف المنازعة الإدارية، وذلك وفقا لقواعد القانون الخاص. تعتبر القرارات المرتبطة بعملية فرض الواجبات التي يكون فيها قرار إصدار البيان الحسابي إلى الملزم النتيجة النهائية التي تهدف إلى الوصول إليها سلسلة القرارات التي تسبقه، والتي تصدر تنفيذا لمسطرة تأسيس أو مراقبة التصريحات، أو قائمة المداخيل التي تعتبر كذلك، وحسب مفهوم المادة 28 من ظهير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي النتيجة النهائية لفرض الجزاءات عن عدم إيداع الإقرارات والتصريحات، فهي قرارات مجرد أعمال تحضيرية لا تلحق أي ضرر بالملزم، لأنه ليس لها في ذاتها أثر قانوني فوري، وبالتالي لا تقبل الطعن بشكل مستقل عن القرار النهائي الذي تفضي إليه، أي قرار فرض الواجبات.وبالنظر إلى أن هذه الفئة من القرارات التي تسبق قرار فرض الواجبات فإن العيوب التي تشوبها يمكن أن تؤثر في قانونيته ومن تمة يمكن أن يثيرها الملزم لدعم طلب إسقاط أو تخفيض الواجبات أمام القاضي الاجتماعي لا أمام القضاء الإداري الذي لا يكون له ذلك إلا في حالات استثنائية نظرا للضيق الذي تعرفه دعوى إلغاء القرارات المرتبطة بالديون العامة.وهي تشمل نوعين من القرارات:- القرارات المتعلقة بالدعوة إلى إيداع التصريح تمهيدا لفرض الجزاء.- القرارات المتعلقة بالمراقبة التصريحات قبل الفرض تطبيقا للمادة 16 المعدلة بظهير 127.04.7 الصادر في 4 نوفمبر 2004 بتنفيذ القانون رقم 17.02 التي تنص على أنه «يقوم مندوبو ومفتشو ومراقبو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والأعوان المكلفون بتفتيش الشغل بمراقبة تطبيق مقتضيات هذا القانون من لدن المشغلين... وأن يراقبوا مطابقة تصريحات الأجور المنجزة من طرف المشغل مع وعاء الاشتراك... ويطلبوا الاطلاع على كل وثيقة منصوص عليها في تشريع الشغل كفيلة بالمساعدة على التحقق من تصريحات المشغلين، سيما دفتر الأداء المقرر في التشريع المعمول به والسجلات المحاسبية المحددة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل».وصادفنا حكما حديثا صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء قبِل الطعن في عملية التفتيش التي يقوم بها أعوان الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي واعتبر القرار قرارا إداريا دون الوقوف على معيار محدد، لأنه لم يثر للمحكمة أي دفع بعدم قبول دعوى الإلغاء لوجود دعوى موازية وصرحت المحكمة بعد قانونية التفتيش (الحكم حديث صدر في الأسبوع السابق في الملف عدد 128/5/2010 حكم بتاريخ 16/12/2010).ولقد أحيل علينا هذا الملف قبل المداولة فيه باعتبارنا ننتمي إلى مؤسسة المفوض الملكي للدفاع عن والقانون، وأثرنا في مستنتجنا الكتابي مسألة عدم الاختصاص النوعي باعتباره من النظام العام ينبغي التمسك به في أي مرحلة من مراحل التقاضي ولو لم يثره أي طرف وقلنا بالدعوى الموازية التي تمنحها المادة 23 من قانون المحاكم الإدارية والمادة 71 من ظهير 27 يوليوز 1972 والمادة 20 من قانون المسطرة المدنية كمبدأ عام.وفي التفصيل دعونا المحكمة عند النظر في أي قرار تبني المعايير التي يستخدمها القضاء الإداري المقارن خاصة الفرنسي منه عندما تعرض عليها نزاعات من هذا القبيل، كمعيار فرضية غياب مسطرة نزاعية خاصة منظمة والتي يمكن اعتمادها للقول بسلوك الطعن أمام القضاء الإداري باعتباره قاضي تجاوز السلطة. وذلك نظرا للضيق الذي تعرفه دعوى الإلغاء في مواجهة دعوى موازية أمام القضاء العادي، وهذه الفرضية أو على الأصح هذا المعيار كانت تتبناه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قبل إحداث المحاكم الإدارية واستعملتها في قرار مؤرخ في 28/07/1978 في قضية أحمد الشرايبي ضد وزير المالية ودافع عنها ذ/ جعفر حسون عندما كان ينتمي إلى مؤسستنا أي المفوض الملكي، وكنت أعمل بجانبه في المؤسسة نفسها وأكد على الطبيعة الموضوعية لمنازعات الديون العامة خاصة منها الضريبية وكنا من ضمن المعارضين لهذه الفكرة خاصة بعد أن تراجعت الغرفة الإدارية عن موقفها واعتبرت الدعوى الضريبية تدخل في إطار القضاء الشامل ليس في غياب مسطرة خاصة للطعن القضائي وإنما حتى في غياب النصوص المنظمة لمسطرة الإرجاع للضريبة على الأرباح العقارية.وكذا معيار المنازعة في مبدأ ومقدار الدين لتحديد الاختصاص وهذا المعيار هو الذي أصبحت تتبناه كل المحاكم الإدارية بما فيها الغرفة الإدارية وذلك بصرف النظر عن وجود أو غياب نصوص صريحة منظمة لمسطرة نزاعية خاصة.وانتقلنا إلى تأكيد عد اختصاص المحكمة نوعيا للبت في طلب إلغاء قرار تفتيش أعوان الصندوق، واستندنا في ذلك على أحد قرارات مجلس الدولة الفرنسي الذي يعتبر الإعلام بفحص المحاسبة، والقيام بالفحص والإشعار بانتهاء الفحص من جملة القرارات المتصلة بالمسطرة الضريبية، وبالتالي إذا كان لا يجوز الطعن في أي منها على نحو مباشر في إطار الطعن من أجل تجاوز السلطة فإنه يمكن القول في المقابل للملزم أن يثير العيوب التي تشوبها لدعم طلب إسقاط الضريبة.الصنف الثاني: دعاوى المطالبة بالتعويضات المستحقة عن الصندوق لفائدة المنخرطين والقرارات المرتبطة بهاالفرع الأول: دعاوى المطالبة بالتعويضات المستحقة عن الصندوق لفائدة المنخرطين.فالمطالبة بهذه التعويضات كالتعويضات الممنوحة عن الأمراض والحوادث مثلا ورواتب التقاعد سواء تعلق الأمر بالزمانة أو الشيخوخة فيصدق عليها المعيار السالف الذكر المتعلق بالدعوى الموازية أمام القضاء العادي طبقا للمادة 23 من قانون المحاكم الإدارية والمادة 71 من الظهير والمادة 30 من قانون المسطرة المدنية، فما يصدق عليها يصدق على ما سبق ما ناقشناه في الفرع الأول من الصنف الأول. القرارات المرتبطة بعملية المطالبة بالتعويضات لفائدة المنخرطين بالنسبة إلى هذه القرارات فتحت الغرفة الإدارية بابا للنظر فيها وعثرنا في ذلك على قرار لها يتعلق بمعاش الزمانة وقالت باختصاصها بنظره بعد أن أثير في النازلة دفع الصندوق بأن الاختصاص ينعقد للمحاكم الابتدائية في إطار الدعوى الموازية وجاء في حيثيات التعليل: «لكن حيث إن الطلب يتعلق بمعاش الزمانة الذي يدخل ضمن أنظمة المعاشات والاحتياط الاجتماعي، ومن بينها نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بصفته مؤسسة عمومية، والتي أصبحت المحاكم الإدارية، تختص بالنظر فيها في إطار النزاعات الناشئة عن تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بها طبقا لمقتضيات المادة 41 (الفقرة 7) من القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية ولا أساس لما قضت به المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء آنفا من اختصاصها نوعيا للبت في الطلب. وحيث إن ثبوت الاختصاص النوعي يترتب عليه الإحالة على المحكمة المختصة بقوة القانون تطبيقا للقاعدة الواردة في الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية»، فالقرار تبنت فيه الغرفة الإدارية المعيار المختلط أو المركب هذا المعيار الذي جمع بين معيار المرفق العام ومعيار القانون الواجب التطبيق، وهذا الاتجاه تبناه الفقيه ديلوبادير في مؤلفه «المنازعات الإدارية»، إلا أن الأستاذ ديلوبادير استعان في هذا المزج بصفة أساسية بمعيار الإدارة العامة والإدارة الخاصة، حيث يميز بين المرافق العامة التي تدار وفقا لأسلوب الإدارة العامة أي وفقا لأسلوب القانون العام بالمعنى السابق تحديده والمرافق التي تلجأ الإدارة في تسييرها إلى الأساليب نفسها التي يستعين بها الأفراد في نشاطهم الخاص أي المرافق التي تدار وفقا لأساليب القانون الخاص، فالمنازعات التي تثار بشأن نشاط الأولى دون الثانية هي فقط التي تدخل في اختصاص القضاء الإداري. ذ/ المصطفى الدحاني: المفوض الملكي بالمحكمة الإدارية بالدار البيضاء