زحف عـلـيـها الإسمنـت والبـدائـل محفوفة بـالمخاطر على مدى سنوات وعقود عديدة، شكلت ملاعب الأحياء بمدينة مكناس، كما في عدد من مدن وحواضر المملكة، فضاءات للعب والتباري، وأماكن لتفجير الطاقات والمواهب واكتساب المهارات، إذ تخرج منها العديد من اللاعبين المتميزين، الذين منهم من عزز صفوف الأندية المحلية والوطنية، ومنهم من قاده تألقه إلى حمل القميص الوطني، بل و إلى دخول عالم الاحتراف من أوسع أبوابه، كما هو الشأن بالنسبة إلى محمد مبارك، والراحل مولاي الحسن العلوي، الملقب بـ «شيشا»، و الإخوة لكحل (ديدي و معتوق و لغويني)، ومحمد اطويرطو، وإدريس العراقي»باديدي»، وعبد الجليل حدا «كاماتشو»، وآخرين لا يسع المجال هنا لبسط أسمائهم. لكن مع مرور الوقت بدأت هذه الملاعب، التي كانت في السابق مدارس كروية يتلقى فيها الموهوبون المبادئ الأولية للعبة، تفقد بريقها و توهجها بعدما زحف البناء والعمران، محولا إياها إلى جبال وأهرامات من الإسمنت المسلح.ملاعب انقرضت و أخرى في الطريقلا يمكن الحديث عن تاريخ ملاعب الأحياء بالعاصمة الإسماعيلية دون استحضار ذلك الكم الهائل من الفضاءات الرياضية التي لم تقو على مقاومة زحف الإسمنت، قبل أن يتم طمس معالمها وتصبح بين عشية و ضحاها في «خبر كان»، و يتعلق الأمر بملاعب «اليزيدي» بحي قدماء المحاربين، و «للاعودة» بالقرب من المحكمة الابتدائية، و»الكصيصة» بالقرب من العين الصافية (بوعماير)، و»الحفرة» بسيدي سعيد، و»باب الرحى» بزين العابدين، و»السلاوية» بالفخارين، و»صهريج السواني» بحي بني امحمد، و»الديور الجداد»، بالقرب من جامع الزهر بسيدي عمرو، و»البليدة» بكاريان السعيدية، على مقربة من مسجد محمد السادس ... والحالة نفسها تنطبق على مجموعة ملاعب «الزويتينة» المحاذية لحي الملاح الجديد، والتي تحولت منذ ما يربو عن عقد من الزمن إلى مشروع فاشل على أكثر من مستوى و صعيد، وهو المعروف حاليا بـ «منتزه الرياض»، الذي صرفت عليه ملايير السنتيمات دون أن يرى النور.هذه الملاعب كانت دائما في قلب الأحداث ومفخرة للأحياء القريبة منها، من خلال احتضانها لتظاهرات رياضية على مدار السنة، خاصة في شهر رمضان المبارك، إذ كانت تتوافد عليها أعداد هائلة من المتتبعين و المتفرجين. كما كانت متنفسا ومنقذا لشباب هذه الأحياء الشعبية من براثن الضياع و التيه...و أكيد أن زحف الإسمنت على ملاعب الأحياء بمكناس لن يقف عند هذا الحد، ما دام الدور آتيا لا محالة على فضاءات رياضية أخرى، والحديث هنا عن ملاعب «تيرت اجبالة» الواقعة بالقرب من الثانوية الإعدادية جابر بن حيان بالزيتون، و «البرج المشقوق» بالحي الذي يحمل الاسم نفسه، و «الجيني» بالبساتين، وملعب الرهيبات «ليسور» ، الواقع على بعد أمتار قليلة من مدرسة سيدتنا مريم... مجمعات سكنية بدون مرافق رياضيةكان من البديهي، أن نواكب وتيرة التوسع العمراني الكبير، الذي تشهده مدينة مكناس على المستويين العمودي والأفقي، التفكير في إنشاء وتشييد منشآت رياضية بالقرب من عشرات المجمعات السكنية التي رأت النور في السنوات الأخيرة، دون أن يرى سكانها نور المرافق الموازية الأساسية، كالمراكز الصحية والمؤسسات التعليمية و دورالشباب و المساحات الخضراء، و ضمنها طبعا الملاعب الرياضية، التي من شأنها أن تحتضن أطفال و شباب هذه الأحياء، وأن تمكنهم بالتالي من قضاء وقتهم الثالث في أجواء و ظروف مريحة للغاية، علما أن هذه المجمعات، المندرجة في إطار مشاريع السكن الاقتصادي، تتميز بكثافة سكانية مرتفعة، كما هو الحال بالنسبة إلى الأحياء المستحدثة بكل من المنصور، و مرجان، والنعيم، و ويسلان، والمنار، والريحان، وتولال... بدائل محفوفة بالمخاطرأمام هذا الوضع المقلق، وغير المبرر، وفي غياب شبه تام لمرافق رياضية ،تضطر جحافل كبيرة من الأطفال والشباب إلى البحث عن أماكن بديلة لممارسة رياضتها المفضلة، خاصة كرة القدم. فهناك من يجدون ضالتهم في اللعب وسط الطرقات المعبدة والمدارات و الساحات العمومية، في مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ كثيرا ما تعرض البعض منهم إلى حوادث سير خطيرة، بل و مميتة في بعض الأحيان. وهناك من يفضلون ركوب مغامرة من نوع آخر، من خلال اتخاذهم لملاعب المؤسسات التعليمية العمومية (المدارس الابتدائية والثانويات والإعدادية والتأهيلية و المعاهد والكليات...) أمكنة لتفجير طاقاتهم الإبداعية، وإبراز قدراتهم الفنية. وهنا يبدأ مسلسل معاناة هؤلاء الأفراد، والذين يجدون أنفسهم مجبرين، في أول خطوة، على ممارسة رياضة «تسلق جدران» المؤسسة الموجودة بالقرب من مكان الإقامة، كوسيلة وحيدة للتسلل إلى الداخل، قبل أن يصطدموا بحاجز ثان، والمتمثل في تدخل العون المكلف بحراسة هذه المؤسسات. ملاعب تحت الطلب«إلى بغيتي تلعب الكرة فهاد الأرض، خصك تدفع اللعاقة و نبينا عليه السلام»، بهذه الجملة لخص الطالب الجامعي ربيع العوني (21 سنة) المعاناة المتكررة لشباب المدينة في مسلسل رحلة البحث عن مكان لمزاولة لعبتهم المفضلة، في غياب شبه تام لفضاءات من شأنها أن تفي بهذا الغرض. لذلك، يبقى المتنفس الوحيد لربيع وزملائه، ومعهم مجموعة من المولعين بمداعبة «الساحرة المستديرة»، هو ملعب «لافاييط»، الموجود بالقرب من محطة القطار الأمير عبد القادر بالمدينة الجديدة (حمرية). ورغم غلاء سعر كراء الملاعب فإن الحركة داخله تشبه خلية النحل، ما يفسر حاجة الشباب إلى مرافق يمارسون فيها هواياتهم الرياضية. خليل المنوني (مكناس)