تكليف خاسر الدعوى بأداء أتعاب محامي خصمه اطلعت قبل حوالي سنة على مشروع المسطرة المدنية الذي كانت تعده مديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل، وأثار انتباهي مقتضى جديد سيتم التنصيص عليه لأول مرة في المغرب، ولكنه قديم قدم التقاضي في دول أخرى، وتعرفه وتعمل به دول عربية كثيرة حتى الصغيرة منها، ومنها التي مازالت تبحث عن استقلالها مثل فلسطين. حفزني الاطلاع على هذا المستجد للشروع في كتابة مقال عنونته كالتالي: «نحو رؤية جديدة لأتعاب المحامي تكليف خاسر الدعوى بأداء أتعاب محامي خصمه» وقد نشر هذا المقال بالعدد الثالث عشر من مجلة الملف.ورحبنا بالفكرة رغم أنها جاءت متأخرة، وقلنا على أن هذا الطرح الجديد في تصفية أتعاب المحامي وإلزام خاسرها بأدائه لمحامي خصمه أصبح من باب تحصيل الحاصل في مجموعة من التشريعات العربية (مصر، البحرين، سوريا، قطر، الإمارات، الأردن الخ) فما بالك بتشريعات أخرى غريبة كثيرة كفرنسا وكندا وبلجيكا.وتطرقنا في المقال إلى أن المواد 147 و 149 و 150 و 151 من مشروع المسطرة المدنية الأول جعلت أتعاب المحامي ضمن مصاريف الدعوى، وأثرنا انتباه الساهرين على مشروع قانون المسطرة المدنية المرتقب إلى أهمية هذا المقتضى في قانون المسطرة المدنية، وكتبنا على أن بداية العمل به بالمملكة المغربية كتجربة جديدة سبقتنا إليها مجموعة من الدول الغربية والعربية سيكون إضافة مهمة ونوعية ، وأكدنا على أنه سيحد من كثرة الدعاوى الكيدية، وأن من يريد أن يقيم أي دعوى عليه أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم أية دعوى إلى المحاكم، لأنه سيصبح معلوما لديه أنه إذا كانت الدعوى كيدية أو غير جدية، سيجبر على أداء كل المصاريف ومنها أتعاب محامي خصمه.وأكدنا على أن المواد التي ينص عليها المشروع جاءت غامضة ويمكنها أن تثير اللبس والغموض ويجب التفصيل فيها حتى نقلل ما أمكن من حجم المشاكل التي يمكن أن يثيرها هذا المقتضى الجديد وأشرنا إلى أنه يمكن الاستئناس بالتشريعات المقارنة في هذا الباب،وكان أملي كبيرا أن يتم الأخذ بعين الاعتبار بالملاحظات المتواضعة التي أبديناها في مقالنا ويتم العمل على تنقيح المشروع بخصوص هذا المعطى الجديد بما يحسنه حتى يؤدي المطلوب منه، أو تعقد ندوات للتفصيل في هذا المستجد لتهذيبه بعد مناقشة واقتراحات المتتبعين ويقدم في أحسن صورة وأجمل ثوب، لكنني فوجئت قبل أيام وأنا أطلع على مشروع المسطرة المدنية الثاني الذي حسنته مديرية الشؤون المدنية بأن هناك من يفكر بمنطق – كم حاجة قضيناها بتركها – ولا يسعى لتطوير قوانين بلاده وملاءمتها مع لب هذه القوانين حتى لا نقول زبدتها، لأن هذه الأخيرة تحتاج إلى مخاض أو مخاضين جيدين. هذا المستجد المهم تم إعدامه وإبعاده عن نصوص المسطرة المدنية وبذلك سيبقى الحال على ما كان عليه وسننتظر سنوات وعقودا لنصل إلى ما وصلت إليه قوانين دول عربية صغيرة حصلت على استقلالها بعدنا.إذن حان الآن الوقت لنقول هل هناك جهة ما تؤرقها أتعاب المحامي ويريد أن يعجب (برفع الياء) بها ويجعل ما أمكن لونها باهتا، فبعد أن أدخلها في نفق المادة 57 محمولة بأكتاف بعض المحامين المستأجرين للمهمة المحسوبين علينا ها هو يحاول أن يعدم المقتضى الجديد والمهم والذي يعتبر ثورة في قوانين المسطرة المدنية ويخفف من عبء من يجرون جرا إلى المحاكم، ويثقلهم بعض سيئي النية من المتقاضين الذين يتقدمون بدعاوى كيدية في مواجهة خصومهم،وذلك بإثقالهم على الأقل بأتعاب محامي خصوصهم الذين أرهقوهم بدعاوي تعسفية، ألا يحق لنا أن نتساءل عن من يريد أن يمس بأتعاب المحامي وبامتداد هذه المهنة وحريتها . ذ. رشيد وهابي: المحامي بالجديدة