دور الخبير في الإصلاح بين النص والواقع يقول الفصل 59 من قانون المسطرة المدنية، الفقرة الثالثة: يحدد القاضي النقط التي تجرى فيها الخبرة في شكل أسئلة فنية «لا علاقة لها مطلقا بالقانون». يعلم الجميع أن الخبرة في التشريع المغربي هي من طرق الإثبات، فطرق الإثبات هي الكتابة وشهادة الشهود والقرائن والإقرار واليمين والمعاينة (الخبرة)، ما عدا الإثبات بالقرائن فهي إجراءات خاصة تتفرع عن الخصومة الأصلية.أما الخبرة والمعاينة فتم تنظيم أحكامها في الفصول من 59 إلى 84 من قانون المسطرة المدنية. ويهمنا الفصل 59 من ق.م.م الذي تم التطرق إليه بكامله في سياقه الحالي والتعرض في أحد أعداد «الصباح» (العدد 3373 ب 15/02/2011 صفحة (11) تحت عنوان «وسائل الإثبات، أدلة على سبيل الاستئناس خبرات بنتائج مختلفة»). إن أسرة الخبرة القضائية انتظرت طويلا إصلاح ظروف عملها لصالح العدل والعدالة ببلادنا، وهي تعبر عن استعدادها التام للمشاركة بفعالية في كل إصلاح منشود، علما أن هناك بعض المواد المتعلقة بالخبراء القضائيين ( مواد 59- إلى 66) وهي جوهرية بالنسبة إلى انجاز مهام المساعدة للقضاء.وإذا كان التعديل الأخير في قانون المسطرة المدنية أتى فعلا ببعض النقط الايجابية فإنه مقابل ذلك، توجد فراغات يجب دراسة كل العيوب بتفاصيلها، سيما أن أسرة الخبرة القضائية تؤمن إيمانا صادقا شأنها في ذلك شان كل مكونات مجتمعنا بأهمية الإصلاح. إن إصلاح العدالة ببلادنا من أولى الأولويات، ولا يمكن أن يتم جميع أركانه ويكتب له النجاح إلا إذا كان مبنيا على دراسة معمقة للواقع الموجود والواجب إصلاحه، وذلك للاستفادة من عيوبه ونقائصه ومعيقاته بهدف تطويقها وتقويمها وتقويم ما اعوج منها، ويعد دور الممارسين في ذلك جوهريا وأساسيا.ومن أهم ما جاء في هذه الدراسة،»لقد احتفظ المشرع بخطأ ترجمي في الفصل 59 من قانون المسطرة المدنية عدة عقود، ذلك أن النص الفرنسي الأصلي يقول:»إن على الخبير أن يجيب على أسئلة المحكمة التقنية والفنية» مع استثناء كل نقطة قانونية، وفسر ذلك الفقهاء القانونيون، بأنه ليس للخبير أن يحسم أو يبدي رأيا في الجوانب القانونية البحتة لأن ذلك من اختصاص القاضي.أما النص المترجم فقد جاء فيه:» أسئلة فنية لا علاقة لها مطلقا بالقانون»، ولو أن القصد هو ما يستنتج مبدئيا من هذا النص المترجم، لما أمكن الخبراء القضائيين أن يجيبوا عن أي سؤال في ميادين «تحديد الديون سواء البنكية أو التجارية أو في التعويضات الممنوحة، حسب ظهير 1955 المتعلق بالمحلات التجارية عند الإفراغ ومعرفة ما هي الفصول التي أخذت بها المحكمة في اتجاه طلب التعويض وما هي الفصول المطبقة، هل الفصل 6 أو 10 أو 12 ...؟ أو بخصوص الدعاوى المرفوعة في نطاق قانون التعمير : 25/90 أو في ميادين تجهيز الأراضي والبنايات وفقا للقوانين المعمول بها، أو العديد من الميادين التي ترتكز كلها على أسس قانونية أو الاتفاقيات وعقود أو وثائق، إذ لا بد للخبير القضائي أن يتفحصها ويتأكد من صحتها ومطابقتها لكل نازلة قبل أن يترجم ذلك إلى أرقام أو استنتاجات تقنية وفنية.وجاء قانون المسطرة المدنية ليكرس هذا الخطأ، كما سبقه ذلك التعديل الأخير لبعض الفصول، منها الفصل 59 المذكور بقانون رقم 00-85 الظهير الشريف رقم 345-1.00 الصادر ب 25 رمضان 1421 ( 26/12/2000 ) بتنفيذ القانون رقــم 00-85 المذكور.وفي غالب الأحيان يكون تعليل الخبير يرتكز على أسس قانونية ويحدث له أن يبدي رأيا قانونيا ولو بدون شعور أو قصد له علاقة بالميدان الفني، إلا أن ذلك لا يبرر المنع الذي يحدث مشاكل لا حد لها بادعاءات التجاوز والمخالفة من طرف كل من لم يرقه عمل الخبير، في حين أن التجاوز المحتمل لا يتسبب مباشرة في أي أضرار، لأن الكلمة الأخيرة ترجع إلى القاضي الذي له أن يأخذ بالرأي أو أن يستبعده، كما أن للدفاع حق إثارة ذلك في تعقيبية على الخبرة.وسبق للخبراء أن اقترحوا استبدال عبارة «لا علاقة له بالقانون» بعبارة «دون أن يكون له الحسم أو يبدي رأيا في الجوانب القانونية». كما أن من المثير في بعض الفصول المعدلة بقانون 0-85 المذكور «يمنع على الخبير أن يقوم بمهمته إلا بحضور أطراف النزاع ووكلائهم»، وأقصد هنا وكلاءهم، وإذا كانت هذه القاعدة تكون الأساس، فهي لا تطبق على جميع الحالات، مما يجعل المنع غير مساير للواقع، بل يتسبب في عرقلة العديد من المهام الذي يكون فيها (الوكلاء) المقصود به المحامون لهم جلسات ملتزمون بها أمام موكليهم مع المحاكم في التوقيت نفسه لجلسات الخبرة أو الخروج لها والمحددة من طرف الخبراء، أو تتطلب الخبرة عدة مراحل للحضور، فيحضر الأطراف بعضها ويتخلفون في البعض الآخر وكذلك ما يطبق على وكلائهم.وهناك مهام تقنية محضة يكون حضور أحد الأطراف لا يفيد الخبرة أو الخبير في شيء، مثل الفحص الميكانيكي لمحرك السيارة مثلا عند النزاع في حادثة سير أمام المحكمة.لذلك فإن وجوب حضور الجميع، كما ينص عليه الفصل من ق.م.م من شأنه أن يعرقل العديد من المهام ويتسبب في تأخير انجاز الخبرة.أما في ما يتعلق بالفصل 63 من ق م.م الذي بعد التعليل المذكور أبعد التصالح بين الأطراف للنزاع إلا إذا أمرت به المحكمة، لسبب رآه المشرع، إن الصلح تنقصه العناصر القانونية عندما يجريه الخبير ويكون غير مرتكز عليها، فينقضي الصلح بعد أمد قصير، إذ أن القضاء لم يحسم في الأمر بحكم من الناحية القانونية (إذ عادة ما يصادق على الصلح على علاته المتفق عليها بين الأطراف للنزاع)، وما دام لم يحسم المشكل جذريا من الناحية القانونية، إذ عادة ما يتم الصلح حسب هوى أطراف النزاع، ويمكن النزاع أن يعود من جديد، ويكون الصلح على يد الخبراء غير ذي مردود ايجابي، ومن البديهي أن يرد إلى القضاء للحسم فيه والذي يجانب دائما إنصاف الناس، وعلى هذا الأساس ظهرت فكرة الحق في بيئة نظيفة ألا وهي الرجوع إلى المحكمة دائما. عبد اللطيف العكاري: خبير محلف لدى المحاكم