fbpx
ملف الصباح

كورونا يلغم السلم الاجتماعي

إغلاق شركات وتسريح عمال وإضرابات واحتجاجات تستدعي مقاربة تضامنية لتجاوز الأزمة

يواجه الاقتصاد الوطني بجميع مؤسساته وهياكله وبنياته تحديات كبرى الآن، وفي المستقبل، سترخي بسلبياتها على الأوضاع الاجتماعية للمواطنين الذين بدؤوا، بالفعل، يتضررون من الموجة الأولى، من تراجع في مناصب الشغل وموجة أشد من التسريحات والإغلاقات، تزرع عددا من الألغام في صحراء السلم الاجتماعي.
وفرضت أزمة كوفيد19 على الجميع الوجود في سفينة واحدة، حكومة ومقاولات خاصة ومؤسسات شبه عمومية وعمالا وأطرا ومستخدمين ونقابات، كما توجد على متن السفينة نفسها قطاعات لا يمكن الجزم أنها في منأى عما يجري اليوم من تغيرات جذرية على كافة المستويات، ونعني القطاعات العمومية.
ويعتقد عدد من المتتبعين أن السياق الحالي لا يحتمل أي توتر من أي نوع، أو سوء فهم، أو شد للحبال بين الفرقاء الاجتماعيين، سواء على المستوى المركزي، في إطار مفاوضات الحوار الاجتماعي، أو الحوار القطاعي داخل المؤسسات الإنتاجية، ما دام الهدف الإستراتيجي اليوم بالنسبة إلى الجميع هو النجاة من السكتة القلبية الشاملة.
وتنبهت الدولة، منذ شهرين، إلى الوقع السلبي الكبير للأزمة الحالية على الطلب الاجتماعي، حين أمر جلالة الملك في خطاب عيد العرش الأخير، إلى الانكباب على ورش تعميم التغطية الاجتماعية في الخمس سنوات المقبلة، لتكون صمام أمان أمام جميع الاحتمالات السيئة في المستقبل.
ويمكن أن يشكل هذا الورش بداية لوضع اللبنات الأولى للدولة الاجتماعية، المؤسسة على مقاربة تشاركية بين جميع الفاعلين والفرقاء في الحكومة والنقابات والمقاولات والمؤسسات العمومية، على قاعدة التضامن واعتبار المساس بالسلم الاجتماعي خطا أحمر.
فلا يمكن تصور استمرار العمل والإنتاج في عدد من المقاولات والمؤسسات، دون توفر الحد الأدنى من التضامن وتفهم السياق المحلي والإقليمي والدولي الذي فرضته الجائحة، كما أن المفاوضة الاجتماعية السليمة والمبنية على توافقات وتنازلات من الجانبين، هي ما يجنب المغرب آفات الإغلاقات لأسباب اقتصادية.
يوسف الساكت

إفــلاس واكـتـئـاب

أشخاص فقدوا وظائفهم واندثرت أحلامهم ومشاريعهم وتحولت حياتهم إلى جحيم

لم يكن أيمن يعتقد يوما أن “الحياة دوارة” إلى هذه الدرجة، وأن “دوام الحال من المحال”، ليس مجرد شعار في أغنية أو قول مأثور للجدود والأسلاف، بقدر ما هو واقع معيش فعلا، أصبح هو نفسه ضحية له.
كان أيمن يشتغل مسيرا لمطعم بأحد فنادق البيضاء، يعرف إقبالا كبيرا من الزبائن الذين يقصدونه للاستمتاع بوجباته وبفقراته الطربية. وكلما زاد الإقبال على المطعم، زادت نسبة الإكراميات التي يحظى بها صديقنا من الزبائن الميسورين، ونسبة العمولة التي يحصل عليها من صاحب الفندق، إلى جانب أجره الشهري الذي يقارب مليوني سنتيم.
مباشرة بعد انتشار وباء “كورونا” في المغرب، والإعلان عن حالة الطوارئ ودخول المواطنين الحجر الصحي في منازلهم، بدأت بوادر الأزمة تظهر في حياة أيمن، الذي ظن أن الفيروس عابر، وسرعان ما ستعود الأمور إلى طبيعتها، خاصة أن الحجر تزامن مع اقتراب شهر رمضان، الذي تتراجع خلاله أنشطة المطاعم والملاهي الليلية وتتوقف جلها عن العمل في هذه الفترة، لكنه لم يكن يظن أن الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه اليوم من “قطع الأرزاق”، مثلما حكى في لقاء مع “الصباح”.
سيتوقف صاحب الفندق عن منح الأجور لموظفيه، ومنهم أيمن، خاصة بعد الشلل الذي أصاب قطاع السياحة وإقفال المغرب لحدوده، وسيحيلهم إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، للحصول على دعم الدولة من صندوق “كوفيد»، والذي لا يتجاوز 2000 درهم، وسيكون على صديقنا أن يدبر أمور حياته، علما أنه رب أسرة مكونة من زوجة وطفلين.
بعد شهور من وقف الحال، انتهت خلالها جميع مدخراته، واستدان من الأصدقاء والخلان، أعلنت الحكومة عن تخفيف الحجر الصحي، وعادت المطاعم إلى فتح أبوابها، إلى حدود الحادية عشرة ليلا، وعاد صديقنا إلى عمله. لكن، لأن المطعم الذي يديره يقدم فقرات موسيقية، تمنعها السلطات بسبب الوباء، هجره الزبائن، ووجد أيمن نفسه “ينش الذباب”، قبل أن يجد نفسه “في الباب”، بعد أن طرده صاحب المحل بدعوى أن فندقه أفلس تماما.
حاول أيمن البحث عن وظيفة في مجال تخصصه، لكن الكساد ضرب القطاع كله ولم يكن بالإمكان أن يتدبر صديقنا أموره في ظل هذه الوضعية الوبائية التي تزداد سوءا يوما بعد يوم. وحتى حين وجد عملا في مطعم آخر، وأعجب المشغل بكفاءته وقدرته على استقطاب الزبائن، وكاد يوقع معه عقدا، نزل قرار إغلاق المطاعم في التاسعة مساء، مما قلب جميع الموازين مرة أخرى لدى صاحب المطعم، الذي فضل إقفاله في انتظار الفرج، على أن يبقيه مفتوحا في وجه زبائن غير متوفرين، خاصة أن الحركة لا تبدأ في المحل إلا حوالي الثامنة مساء، تاركا صديقنا أيمن يواجه مصيرا مجهولا.
من جهتها، فقدت مليكة كل ما ادخرته على مدار سنوات من أجل مشروعها وحلمها الذي حققته بعد طول جهد وتعب وانتظار. اندثر الحلم وذهبت طموحاتها أدراج الرياح، وهي ترى وكالة تأجير السيارات التي فتحتها قبل شهور من بداية انتشار الوباء، تفلس وتقفل أبوابها بشكل نهائي، بعد أن عجزت عن تحمل المصاريف في ظل تراجع نشاط القطاع وإقفال الحدود في وجه السياح الذين يشكلون نسبة هامة من الزبائن. “لم يكن غريبا أن ينتحر العديد من المشتغلين في المجال، بعد أن رأوا كيف انقلبت حياتهم وتحولت إلى جحيم. شخصيا، فكرت في الانتحار ودخلت فترة اكتئاب طويلة لم أتمكن من الخروج منها إلى حدود اللحظة التي أتحدث إليكم فيها. صدقوني الموت أهون من أن ترى حلمك يسقط أمام عينيك وأنت عاجز عن التحرك لإنقاذه”، تقول مليكة في لقاء مع “الصباح”. تراكمت الديون على الشابة التي تبلغ بالكاد 35 سنة من عمرها، والتي غادرت عملها واستدانت من البنك من أجل إخراج مشروعها، الذي ظلت تحلم به سنوات، إلى الوجود، وما كادت تنطلق حتى توقفت بسبب الجائحة. تقول “بعت سيارتي ومجوهراتي ووضعت منزلي في الرهن، لأجد نفسي، وفي عز الموسم الصيفي الذي يكثر فيه الطلب على السيارات المؤجرة، عاجزة عن كراء ولو واحدة، علما أن في حظيرتي ثماني سيارات متوقفة”.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق