fbpx
ملف الصباح

التلقيح و”الكرنتينة” منذ الاستعمار

المغاربة ارتابوا في توظيف الصحة للتغلغل الكولونيالي

كان الطب، خاصة خلال القرن التاسع عشر، أداة من الأدوات التي سخرتها القوى الأوربية لاختراق المغرب، وفي مرحلة لاحقة إبان الفترة الاستعمارية تم توظيف الطب ضمن خطة التغلغل السلمي وتحقيق التهدئة.
ويرى الباحث المغربي أحمد مكاوي أنه رغم النفور التقليدي للمغاربة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، من الأوربيين الذين كانوا يعتبرونهم “كفارا” نتيجة الحمية الدينية والوعي بخطورة المد الأوربي، إلا أنه رغم ذلك حصل الطب الأوربي على ثقة شبه مطلقة من قبل المغاربة، بصرف النظر على الإطار العام للعلاقات بين المغرب وأوربا منذ تلك الفترة.
ويتساءل الباحث في كتابه “الدور الاختراقي والاستعماري للطبابة الأوربية في المغرب” حول تفسير هذه “الثقة الاستثنائية” في الأوربي، الطبيب تحديدا، ما إذا كانت لها علاقة بالطبيعة الخاصة والفردية للخدمة الطبية التي تجعل المستفيد منها يتجاوز الحساسية الدينية، وألم يكن هناك إدراك بأن الخدمة الطبية، كأية خدمة أخرى، يقدمها الأوربي، مثل ترويج بضاعة وإدخال مستحدث تقني وتعليم طالب… لا تقل خطورة نظرا لوقعها النفسي وما يترتب عنه من تكسير الحواجز النفسية؟.
ويضيف أن ما حصل في المغرب خلال هذه الفترة ومرحلة الحماية، تأسس على خلفية ورصيد تاريخيين يعودان إلى أربعة قرون، وهو ما تكشفه مجموعة من المعطيات التي تبرز استفحال الحضور الطبي الأوربي في المغرب خلال هذا الإطار الزمني، سواء عبر أطباء حقيقيين أو منتحلي الطب أو في سياق المنافسة بين القوى الأوربية لاستغلال الخدمات الطبية لتركيز نفوذها بإقامة المستشفيات والمستوصفات وإلحاقها أطباء ببعثاتها القنصلية وإرسالياتها التبشيرية.
وبالموازاة مع كثرة تردد الأطباء ومنتحلي الطب الأوربيين على المغرب، أضحى المخزن المغربي، حسب الباحث نفسه، يخضع تدريجيا لضغط القناصل بشأن تطبيق إجراءات الحجر الصحي في بعض المراسي المغربية، سيما خلال تفشي الأوبئة.
وتذكر بعض الكتابات التاريخية أن ارتباكا حصل في عهد السلطان مولاي سليمان بسبب ضغط ممثلي الدول الأوربية بخصوص تنفيذ الحجر الصحي على الحجاج سنة 1818، وقد حسم هذا الأمر في آخر المطاف بعدم إخضاع الحجاج للإجراء الاحترازي الذي كان يسمى “الكرنتينة”.
وأصبح الضغط الأوربي أكثر فعالية في عهد خلفه السلطان عبد الرحمن بن هشام، الذي أقر للأوربيين بخبرتهم في هذا المجال، فدخلت عبارة “الكرنتينة” إلى المجال التداولي المغربي، وأيضا في خطب السلطان ومراسلاته.
إلا أن الموقف الإيجابي من الحجر الصحي كان ينقلب إلى ضده حينما يتعرض الحجاج إلى المضايقات والتعسف خاصة في المراسي الأوربية، فيتحول الإقرار بفائدة الاحتراز والحجر إلى القدح فيه.
ورغم التوظيف الاستعماري للخدمات الطبية من قبل الفرنسيين، فإن المغرب أضحى يتوفر على المرافق الصحية (مستوصفات وعيادات ومختبرات ومراكز توليد ومراكز حضانة…)، كما ظهرت خدمات علاجية ووقائية مثل التلقيح الجماعي والمراقبة الطبية للمومسات والإسعاف الطبي الذي ارتبطت مصالحه بإدارة الصحة العمومية منذ الثلاثينات.
وأدى كل هذا إلى تحسن ملموس للأوضاع الصحية في المغرب، وهو ما يظهر في تقلص عدد الوفيات نتيجة الانحسار النسبي للأوبئة والأمراض الفتاكة، رغم نظرة الشك والريبة التي أبداها المغاربة تجاه كل ما يبرر وجود المستعمر أو يخدم مصالحه، وهو ما تبين من خلال تجنب الخضوع لحملات التلقيح في البداية، قبل أن يقتنعوا بها من خلال خطاب الحركة الوطنية، الذي حرض في البداية ضد كل ما يفيد اقتصاد الاستعمار ويناهض تعليمه بما فيه إنشاء مدارس حرة موازية، إلا أن مجال الصحة شكل استثناء، بل ناضل الوطنيون في مراحل لاحقة من أجل تعميم الخدمات الصحية ومساواة المغاربة بالأوربيين في الاستفادة منها.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى