fbpx
مقالات الرأي

نديه: اكراهات القوة القاهرة وآثارها على المعاملات التعاقدية

بات من المؤكد أن هاجس كوفيد 19 مثار تساؤل و تتبع دقيق من قبل المجتمع الدولي بمختلف مواقعه ومسؤولياته، بالنظر إلى استهدافه للصحة العالمية، وهذا ما يقتضي منا التعامل مع كل جوانبه وآثاره الأخرى الممكنة والمحتملة بكثير من الجدية والموضوعية والمسؤولية، بعيدا عن الهلع والقلق والتهويل. فبالعودة تحديدا الى العشرين سنة الأخيرة ، نجد ان العديد من الإشكالات ذات الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية قد طرحت بشكل جدي لا سيما في ارتباطها بالأمن الصحي العالمي وبالعوائق والإكراهات الناتجة عنها في مجال تبادل السلع والخدمات خصوصا مع وباء H1N1 في 2009 مرورا ب EBOLA في 2014 ، وصولا الى حيث فُتح باب ال CORONA VIRUS حيث فتح باب للنقاش دوليا حول آثاره المتعلقة بالمعاملات التجارية وعقود الشغل والالتزامات المالية والضريبية؛ حيث دفع عدد من المؤسسات والشركات العالمية خاصة الصينية والأمريكية منها المتخصصة في مجالات مختلفة، بوجود حالة قاهرة أو ( قوة قاهرة ) من أجل التحلل من التزاماتها التعاقدية تجاه زبنائها وعدم أداء غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو عن استحالته؛ وهو ما جعل عددا من الدول تبادر خلال الأيام القليلة الماضية من انتشار الوباء إلى تبني هذا الموقف، مبادرات وإجراءات لا تحجب عن المتتبعين ظهور بوادر جدل ونقاش قانوني اقتصادي حول موضوع القوة القاهرة، الذي يُعد من المواضيع المعقدة، التي تحتمل كثيرا من التأويلات واختلاف وجهات النظر حول مدى توافر شروطها من عدمه، خاصة عندما نكون أمام وباء صحي عالمي تختلف آثاره بين السلبية والايجابية، باختلاف المواقع والمؤسسات، وباختلاف الظروف المحيطة بالتعاقدات المتنازع بشأنها، إذ أن بعض القطاعات على خلاف الباقي، عرفت نموا كبيرا بسبب انتشار هذا الفيروس، خاصة تلك المتعلقة بالتجارة الالكترونية.
وبكل تأكيد أن عددا من المقاولات المغربية في علاقاتها الاقتصادية ومبادلاتها التجارية والدولية ستقع في كثير من هذه المطبات، والتي ستنعكس سلبا على عدد من التزاماتها وإنتاجياتها وخدماتها، بدليل إلغاء وتأجيل عدد من الرحلات الجوية والأسفار السياحية (العمرة)، والأنشطة واللقاءات والتظاهرات مما تضرر معه الشركاء والمؤسسات المعنية بها، فضلا عن المقاولات التي ترتبط أنشطتها التجارية بشكل كبير بالمقاولات الصينية، التي بدأت تشتكي من ركود معاملاتها، مما سيثير النقاش مجددا حول نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة ومدى إمكانية استفادة هذه المقاولات منها للتحلل من التزاماتها العقدية وتعديلها أو التخفيف منها.

فالإشكال القانوني الذي يستوقفنا في هذا الصدد يفرض علينا بدون شك الوقوف أمام بعض من مداخله التالية :

المدخل الأول: كورونا والقوة الملزمة للعقد أي علاقة؟

في المنظومة القانونية ” العقد شريعة المتعاقدين ” تنبني الفكرة بالأساس على ثلاثة أسس، أولها قانوني قوامه مبدأ سلطان الإرادة وثانيها، أخلاقي يتمثل في احترام العهود والمواثيق وثالثها ذو طابع اجتماعي واقتصادي يترجمه وجوب استقرار المعاملات.
الفكرة في ذاتها توجب احترام مضمون العقد سواء من طرف المتعاقدين أو من جانب القضاء لكن الأوبئة الصحية واقعة مادية صرفة، تكون لها آثار سلبية واضحة يمكن رصد ملامحها على العلاقات القانونية بشكل عام والعلاقات التعاقدية خاصة ، حيث تتصدع هذه الروابط نتيجة ركود يصيب بعض القطاعات الاستثمارية، مما يجعل من المستحيل أو على الأقل من الصعب تنفيذ بعض الالتزامات أو يؤخر تنفيذها
وهو وضع قد يمس المؤسسات الصناعية والتجارية عموما ، بالنظر للارتباط الكبير والوثيق بين أنشطتها، حيث يكفي أن تصاب إحداها بأزمة اقتصادية لكي تهدد الأخريات بدورها .
ومن هنا تبنى الفكر القانوني والاجتهاد القضائي عبر العالم آليتين تعتبران من الوسائل الحمائية للمدينين، ترميان إلى علاج الحالات، التي يصير فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة)، أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة) ، وهما في الأصل يُعدّان تطبيقا لمبدأ أخلاقي عام، مفاده أنه لا تكليف بمستحيل أو لا تكليف بما يتجاوز الطاقة العادية للإنسان.
فلكي يُسأل المدين عقديا يجب أن يكون قد أخل بالتزامه العقدي، كعدم التنفيذ في الوقت المتفق عليه وهو ما يتم وصفه بالتماطل غير أن هذه المسؤولية العقدية، قد ترتفع عن صاحبها إذا ما تمسك بأحد الأسباب الأجنبية عنه، والتي تمثل في جوهرها كل الظروف والوقائع المادية أو القانونية، التي يمكن للمدعى عليه في دعوى المسؤولية المدنية أن يستند إليها لكي يثبت أن الضرر لا دخل له فيه، وإنما هو نتيجة حتمية لذلك السبب.

المدخل الثاني: هل يُعد فيروس ” كورونا ” أحد تطبيقات القوة القاهرة؟

ما مفهوم وشروط القوة القاهرة؟
عرفها المشرع المغربي في الفصل 269 من ظهير الالتزامات والعقود كالآتي :
القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية، (الفيضان والجفاف والعواصف والحرائق والجراد، وغارات العدو وفعل السلطة……)، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا.
أما شروطها التشريعية الرئيسية فهي ثلاثة، عدم التوقع واستحالة الدفع، ثم عدم صدور خطأ من المدين المتمسك بالقوة القاهرة .
و يمكن أن نستخلص منها أن انتشار وباء صحي كواقعة مادية قد تكون قوة قاهرة كلما كان لها تأثير مباشر على عدم تنفيذ الالتزام التعاقدي من قبل المدين، إذا ما توفر لها شرطان أساسيان وهما عدم التوقع واستحالة الدفع بالكيفية التي سبق توضيحها، أما الشرط الثالث المتمثل في خطأ المدين فيظل في هذه الحالة بالخصوص حالة فيروس “كورونا” عنصرا غير مطلوب منطقيا .
فالقوة القاهرة لم تعد محصورة على وقائع محددة دون غيرها، فكل واقعة تحققت بشأنها الشروط وجعلت التنفيذ مستحيلا، إلا وعدت حالة من حالات القوة القاهرة. ويبقى بطبيعة الحال المدين هو الملزم بإثبات توافر هذه الشروط.

المدخل الثالث: موقف القضاء المقارن من تأثير الأوبئة والأمراض على تنفيذ الالتزامات العقدية.

إشكالية الزمن : التساؤل سيطرح بالنسبة للعقود التي أبرمت بعد ظهور هذا الوباء، إذ نتوقع حدوث نقاش جاد حول التاريخ الواجب اعتماده لإعلان ظهور فيروس “كورونا”، هل تاريخ إعلانه بالصين؟ أم بالبلد الذي توجد به الشركة التي تتمسك بالقوة القاهرة؟ أم التاريخ الذي حددته منظمة الصحة العالمية؟

إشكالية تحديد المناطق المصابة بالوباء؟
إن مسألة تحديد المناطق هاته ليست بالسهلة أو اليسيرة لاختلاف المعايير، وقد أثير هذا الإشكال نزاعات تتعلق بقضايا الأسفار، حيث تم رفض السفر إلى مناطق قريبة، ومحاذية لأماكن وصفت بالخطيرة لانتشار وباء صحي بها.

اسراء نديه: طالبة باحثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق