ربورتاج

سيـدي بنـور … تنميـة “سورسـي”

إقليم يعاني خصاصا في الصحة والتعليم والبنيات التحتية وسوق أسبوعي تحول لعائق

“بين الجمعة الثلاث”، أغنية تراثية غنتها فاطنة بنت الحسين بنت سيدي بنور، كما غناها أيضا جمال الزرهوني، وهي أغنية تراثية ارتبطت أساسا ب”جمعة اسحيم” و”ثلاثاء بوكدرة”, لكنها تنطبق على جمعة بني هلال وثلاثاء سيدي بنور، الذي يعد أكبر سوق أسبوعي في المغرب، إذ يظل المزود الرئيسي لعدد من المدن المغربية، منها أكادير ومراكش والبيضاء، باللحوم والخضر والحبوب، بل إن عددا من الشاحنات، كانت تتوجه، مملوءة بالخضر، إلى السنغال وموريتانيا. سيدي بنور الإقليم الذي خرج من رحم إقليم الجديدة، الذي تجمعه وإياه شهادة الانتماء إلى دكالة، ما زال يعاني عدة معيقات رغم وصوله إلى سن العاشرة من وجوده.

عرفت سيدي بنور، منذ استقلالها عن إقليم الجديدة في 2009، نموا مضطردا، وأصبحت تتصف بمزايا وصفات المدن العصرية، وانتقلت من مركز حضري إلى عاصمة للإقليم، يتكون من 23 جماعة قروية وجماعتين حضريتين، وأصبح “السوق الأسبوعي، يشكل عائقا في وجه تنمية المدينة، إذ يوجد على الطريق والمعبر الرئيسي نحو الجنوب المغربي، ما يفرض تحويله خارج المدينة.

فوضى وأزبال

لم تعد سيدي بنور، حاليا في حاجة إلى سوق أسبوعي في رحابها، لأنها تتوفر على أسواق عصرية ومحلات تجارية، تشتغل بشكل مستمر، توفر كل حاجيات المواطنين، خلاف ما كان معمولا به منذ سنوات، إذ كان السوق الأسبوعي يشكل لهم الفرصة الوحيدة للتسوق بالخضروات القادمة من الدواوير المحيطة بالمركز الحضري واللحوم، التي تذبح كل أسبوع والبيض والدجاج والأثواب والحبوب وغيرها.
وأصبح السوق اليوم، عقبة أمام تطور المدينة، إذ تساهم العربات المجرورة والشاحنات والطاكسيات الكبرى والصغرى في عرقلة السير والجولان برأس شارع الجيش الملكي، حيث يعقد السوق الأسبوعي ل””لثلاثاء سيدي بنور”.
يقول الحسين أيت حمو، فاعل جمعوي ومهتم بالشأن المحلي، “يشكل السوق الأسبوعي حجرة عثرة في وجه التنمية المحلية، إذ يساهم في مواصلة واستمرار مظاهر ترييف المدينة، من خلال الأعداد الوفيرة من العربات المجرورة بالدواب ومن خلال عبور الشاحنات المحملة بالأبقار والأغنام والحمير والبغال والخيول.
وأضاف المصدر ذاته، أن الوقت حان لتحويل وإخراج السوق خارج المدار الحضري، لتجنيب المدينة، كارثة بيئية، نتيجة تراكم الأزبال والنفايات، التي يخلفها انعقاد السوق الأسبوعي كل يوم ثلاثاء. ودعا في نهاية تصريحه، المجلس الجماعي والسلطة الإقليمية إلى أخذ العبرة من العديد من المدن، التي تخلصت من أسواقها الأسبوعية التي كانت تقام بها، فعرفت تطورا مدنيا ملحوظا.

أدخنة سامة

ينعقد السوق اليومي برحاب السوق الأسبوعي ل”ثلاثاء سيدي بنور” من يوم الأربعاء إلى يوم الاثنين من كل أسبوع، يتجمع فيه تجار الخردة و”البال” وقطاع الغيار المستعمل والبلاستيك والأسلاك والحديد القديم والأخشاب والزنك والعجلات وكل ما لا يخطر على البال. ويتخذ هؤلاء التجار والحرفيون من السوق اليومي، مستقرا، إذ يبنون الخيام ويقضون أسبوعا به.
ويشكل السوق اليومي مضايقة لسكان المدينة، إذ يعمد العديد من المترددين عليه إلى إحراق العجلات وبقايا التجهيزات الإلكترونية (مسجلات وحواسيب وثلاجات وأسلاك كهربائية وعجلات مطاطية)، لاستخراج النحاس، لبيعه لوسطاء متخصصين في هذا المجال، وهو ما يتسبب في تصاعد أدخنة سوداء ومركزة، تخنق الأنفاس وتتسبب في غثيان للأطفال والمصابين بأمراض التنفس. ويتخذ عدد من المنحرفين والشواذ من مقاهي وخيام السوق اليومي، ملاذا ومستقرا للاختباء والانزواء لممارسة الرذيلة هناك. وأكد (عمر. ن) صاحب محل تجاري “للصباح”، “أن من لا سكن له، يلجأ إلى السوق اليومي، ليختبئ في “الدخاخش” ويستقر في الخيام المنصوبة على الدوام، إذ يتم استقدام المومسات لإحياء سهرات ماجنة مؤثثة بالخمر والمخدرات، قبل أن يخرج هؤلاء وأولئك في غزوات لسلب وسرقة العزل. ويؤوي السوق نفسه الهاربين من العدالة والقانون، إذ تمكنت المصالح الأمنية من ضبط العديد من المتهمين في قضايا ترتبط بترويج المخدرات والفساد.

عبء محطة

توجد المحطة الطرقية بمدخل سيدي بنور من باب مراكش، وتشكل عائقا في وجه حركة السير والجولان، إذ تتجمع حولها سيارات الأجرة من الحجم الصغير والعربات المجرورة بالدواب وأكشاك بيع الفواكه والنقانق والباعة الجائلين.
ويزيد من حدة اختناق حركة السير والمرور، انعقاد السوق الأسبوعي لثلاثاء سيدي بنور، بداية من ليلة كل يوم اثنين. ويرافق ذلك كله، توافد عدد كبير من المنحرفين ومحترفي السرقة وتجار المخدرات.
وصرح عبد الله الشعيبي، مهني في بيع وشراء المواشي، أن الفلاحين والتجار يلتحقون برحبة المواشي في ساعة مبكرة جدا، ويشرعون في عملية البيع والشراء في الظلام، وهو ما يعرض العديد من مربي الأبقار وحتى التجار إلى السرقة، بل وهناك نوعية من النصابين والمحتالين، يوقعون بهم ويعرضونهم للضرر. واستحسن قرار عامل إقليم سيدي بنور، القاضي بمنع ولوج السوق الأسبوعي قبل الخامسة صباحا.
ويرتبط السوق نفسه بالمجزرة البلدية، التي تفتقر لأبسط شروط النظافة، إذ قرر المجلس الجماعي تخصيص ميزانية تقدر بمليار و350 مليون سنتيم لإحداث مجزرة حديثة تستجيب لمتطلبات العصر، وفق توجيهات المكتب الوطني للسلامة الصحية والمنتجات الغذائية.
وخصص 78 مليون سنتيم للجزء الأول للشروع في التهيئ للمجزرة نفسها، بتنسيق مع جهة الدار البيضاء سطات. ويرمي المجلس الجماعي مع باقي شركائه إلى تقديم خدمات ذات جودة عالية لسكان ومواطني إقليم سيدي بنور.

البديل المنتظر

قررت السلطات الإقليمية بتنسيق مع المجلس الإقليمي لسيدي بنور والمجلس الجهوي والمديرية الجهوية للفلاحة بجهة الدار البيضاء سطات، إحداث سوق نموذجي يومي لبيع المواشي، الأبقار والأغنام وما يعرف عند العامة ب”الرامة”، الإبل والخيول والبغال والحمير.
وقال عبد الرحمان النايلي، مدير المديرية الجهوية للفلاحة في تصريح للصباح، “قررنا إحداث هذا السوق لوضع حد لعدة مشاكل ترتبط ببيع المواشي بالأسواق الأسبوعية، منها اعتراض سبيل المتسوقين وتعريضهم للسرقة والتقليل من آفة انتشار الأمراض وتقريب الخدمات من الفلاحين والمنتجين (مربو الأبقار) والجزارين والتجار، الذين كانوا ينتظرون السوق الأسبوعي لانتقاء حاجياتهم من اللحوم”.
وأضاف المصدر ذاته، أن هذا السوق سوف يكون الأول من نوعه في المغرب، لأنه سيفتح في وجه مرتاديه طيلة سبعة أيام وسيوفر خدمات مهمة، ترتكز أساسا على الجودة، إذ سيكون بمقدورهم التعامل بالشيكات لوجود وكالة أو وكالتين تابعتين لبنوك معينة، تفاديا للسرقة واعتراض السبيل، كما سيتوفر على ميزان لبيع المواشي اعتمادا على الوزن وليس المعاينة، وهو ما يجعل الفلاحين عرضة للنصب والاحتيال. وسيتوفر السوق على مصلحة إقليمية للبيطرة لمراقبة وتتبع المواشي الواردة عليه من كل المراكز والجماعات الترابية.
ومعلوم أن السوق النموذجي سيحدث بمركز فلاحي قديم يقع بتراب الجماعة القروية للمشرك التابعة لإقليم سيدي بنور، في ملتقى عدة طرق، على مساحة 5.7 هكتارات وخصصت له ميزانية مهمة تقدر في 1.9 مليون درهم.

يفيد: نحتاج للتمويل

اتخذت السلطات الإقليمية بعض القرارات التنظيمية لتخفيف العبء على المدينة، ومنعت ولوج السوق الأسبوعي الحالي لثلاثاء سيدي بنور، من قبل الشاحنات والعربات والتجار، قبل الساعة الخامسة صباحا، للحد من الفوضى والضجيج، الذي يحدثه الرواد وسط الشوارع والأزقة للمدينة نفسها.
ويواصل المجلس الجماعي مناقشة عدة اقتراحات ترمي إلى إخراج السوق من المدينة، إلى فضاء أوسع. وجالس عامل الإقليم الذي وافق مبدئيا على تحويله، إلا أن التكلفة المالية باهظة، إذ أشارت دراسة للوكالة الحضرية، إلى ضرورة توفير 33 مليار سنتيم وهو ما لا يتوفر حاليا للمجلس الجماعي لسيدي بنور.
وفي لقاء “للصباح” مع حميد يفيد، نائب المجلس الجماعي لسيدي بنور، أكد فيه أن المجلس خصص 480 مليون سنتيم في إطار الفائض الحقيقي لدورة فبراير الماضي، لإعادة تأهيل بعض مرافق السوق الأسبوعي، خاصة رحبة المواشي.
وأضاف أنه بعد الاطلاع على عرض الوكالة الحضرية لمشروع السوق الأسبوعي المراد إخراجه من الجديدة، ونظرا للتكلفة الباهظة، اكتفى المجلس الجماعي، بتخصيص مليار و800 مليون لإعادة تأهيل بعض المرافق الأساسية منها تجديد الإنارة والبنيات التحتية الخاصة بالأزقة والممرات بين الرحابي وتطهير السائل وتعلية السور وإحداث أبواب أخرى على شاكلة سوق الأحد بأكادير.

الصحة …خصاص فظيع

أمام الخصاص الفظيع في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، تلجا إدارة المستشفى في أحيان كثيرة، إلى تحويل المرضى المترددين عليه، نحو الجديدة، إلى درجة أن سيدي نبور أصبح موضوع استهزاء وتنكيت، إذ انتشرت نكتة بشكل موسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تشير إلى “أن طبيبا انتقل للعمل بكندا، وبينما هو يباشر عمله، استقبل مريضا، فوقف ينظر إليه وقال لمرافقه: يجب إرساله إلى الجديدة”.
وارتقى المستشفى المحلي بإحداث إقليم سيدي بنور، إلى مستشفى إقليمي يقدم خدماته لحوالي 450 ألف نسمة، دون أن يستفيد من تعزيز موارده البشرية وتجهيزاته الطبية. ويعاني المستشفى ذاته من خصاص فظيع على مستوى الأطباء والتجهيزات، إذ يفتقر لأطباء التخدير والتوليد.
واعترف عبد العظيم الرمح, مدير المستشفى ذاته، بوجود خصاص يدفع الإدارة إلى عدم تنظيم مداومة ليلية، مما يجعلها مرغمة على توجيه المرضى في بعض الحالات نحو المستشفى الإقليمي بالجديدة.
وأقر المدير نفسه بحاجة الإدارة إلى سبعة أطباء، ثلاثة متخصصون في التخدير واثنان في طب النساء والتوليد ومثلهما في الجراحة العامة. وأضاف أنه استعان بخدمات ثلاثة أطباء تابعين للمستشفى المحلي بالزمامرة، لأن الجناح الخاص بالعمليات غير مشغل.
ويتوفر مستشفى محمد السادس بسيدي بنور على 17 طبيبا و75 ممرضا وممرضة. ويتوفر على تخصصات الجراحة العامة والتوليد وطب العيون والأنف والحنجرة والعظام والقلب والمعدة, ولا يتجاوز عدد أسرته 45 سريرا.
إنجاز: أحمد ذو الرشاد (سيدي بنور) / تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق