ملف الصباح

الدعارة الراقية… تجارة “اللحم النقي”

شبكات تعمل وفق نظام محكم وفي سرية تامة وتتحرك ضمن محيط ضيق بعيدا عن الشبهات

تختلف الطرق والأساليب، ويبقى الاسم واحدا. أقدم مهنة في التاريخ  تطورت اليوم مثلما تطورت العديد من مظاهر العيش في مجتمعنا. لم تعد الدعارة اليوم مقتصرة على فئة معينة من النساء المعوزات والفقيرات اللواتي يمارسنها من أجل لقمة عيش يعلن بها أطفالهن أو عائلاتهن، وقد يعثرن على زبونهن في مقهى أو حانة رخيصة، أو حتى في الشارع العام، بل تعدتها إلى نوعية أخرى من بائعات الهوى، أكثر “رقيا”.

أصبحنا اليوم نتحدث عن “دعارة راقية”، تمارس داخل الفيلات والفنادق المصنفة و”الرياضات”، زبائنها مستعدون لدفع مبالغ مالية مهمة، مقابل الاستمتاع بلحم “نقي”، “مخسور عليه الفلوس”، و”ضحاياها” فتيات متطلبات لا يقبلن سوى “الماركة”، يقضين عطلهن في جزر “السيشل” السياحية وسط المحيط الهندي، ويتنقلن عبر طائرات خاصة إلى لندن أو باريس، حيث “الباس» الواحد يساوي ملايين السنتيمات وأياما من “الشوبينغ”.
إنها الدعارة “الكلاس”، المنظمة، مقابل دعارة “رخيصة” عشوائية، أصبحت سائدة في بلدنا، ولها زبائنها وشبكة علاقاتها. لم تعد عاهرة اليوم تريد أن تكتفي ب”طرف ديال الخبز”، بل تطمح إلى الشهد والعسل. الجعة الرخيصة ليست من مقامها، ولا تقبل غير قناني “الشامبانيا” الفاخرة، و”القطعة” المحضرة من “الفوا غرا” و”الكافيار”…

“النشاط” في الفيلات والأحياء الراقية… فقط
تشتغل شبكات ما أصبح يعرف ب”الدعارة الراقية” بسرية تامة وتحرص على البقاء بعيدة عن أعين المراقبة، سواء من طرف الأمن أو من طرف “البركاكة” من جيران ومن يليهم، أعضاؤها يختارون فيلات في مناطق راقية، ما يضمن نوعا من “البريستيج” والهيبة التي تجعلهم بعيدا عن الشبهات، وبعيدا في الوقت نفسه عن الإزعاج الذي يمكن أن تتسبب فيه للجوار.
“لا توجد أرقام وإحصائيات تخص الدعارة في المغرب. كما لا توجد تصنيفات مثل الدعارة الراقية أو غيرها لدى الأجهزة الأمنية، لكن يمكننا الحديث عن دعارة محكمة التنظيم تتخذ من الفيلات والأحياء الراقية فضاء لنشاطها حتى تبعد عنها الشبهات”، يقول مصدر أمني رفض الكشف عن هويته، في دردشة مع “الصباح”.
المصدر نفسه، أعطى نموذجا بإحدى الشبكات التي تم تفكيكها في حي “سيال” بالدار البيضاء، والتي اكتشف أمرها بعد اعتقال مجموعة من الطالبات وهن يغادرن صباحا إحدى الفيلات، تبين أنها وكر للدعارة الراقية مجهزة بالعديد من غرف النوم، إضافة إلى مرقص وبار وكل ما يمكن أن تجده من خدمات في الفنادق المصنفة.
حالة أخرى، يتذكرها مصدرنا، تتعلق بفيلا مشبوهة اقتحمها أمن عين الشق بعد توصله بمعلومات حول تردد بعض الخليجيين عليها بانتظام، ومراقبته لتحركاتهم، ليلقي القبض على مجموعة من الفتيات اللواتي يمارسن الدعارة، إضافة إلى فنان شعبي وفرقته كانوا ينشطون السهرة “المعلومة”، وصاحب المكان.
عاهرات بنات عائلات غنية
يقول المصدر نفسه، موضحا في دردشة مع “الصباح”: “الدعارة الراقية تشمل أيضا فتيات ينتمين إلى عائلات معروفة وغنية. أتذكر حادث اقتحام أحد الفنادق حيث يفضل بعض طالبي المتعة من أشقائنا “السواعدة” قضاء عطلتهم كلما حلوا بالمغرب… كم كانت صدمة رجال الأمن كبيرة وهم يطلعون على أسماء الفتيات المحتجزات… بنات شكون وشكون… ومن عائلات كبيرة”، ويضيف “البروفيلات التي يعتمد عليها في الدعارة الراقية تشمل فتيات يعملن في مجال عرض الأزياء والتمثيل والغناء، ومنهن متزوجات، وهناك أيضا من لديها وظيفة محترمة وتتقاضى أجرا معقولا، ومنهن صاحبات ألقاب للجمال، إذ كلما كانت الوضعية أفضل كلما كان السعر أعلى. فهذه النوعية كا تطلع السوق”.

خدمة 5 نجوم
تتوفر هذه الشبكات، حسب المعلومات التي حصلت عليها “الصباح”، على وسائل لوجستيكية، تسمح لها بالتحرك وفق برنامج مضبوط، وضمن قاعدة “الدق والسكات” وتنظيم محكم، يبدأ من المطار إلى الفيلا وقت الوصول، ثم من الفيلا إلى المطار بعد “قضاء الغرض” والمغادرة،  إذ تنسق هذه الشبكات مع وكالات لكراء السيارات بسائق لضمان تنقل الزبون وعاملة الجنس، بكل سرية وسلاسة، إلى مختلف الفضاءات السياحية والترفيهية، كما تتعامل مع مجموعة ضيقة من الأشخاص الذين توظفهم لخدمة الزبائن داخل الفيلات التي تحرص على كرائها من أشخاص مصدر ثقة وأمان.
مصدر أمني، أكد ل”الصباح” أن بعض شبكات الدعارة الراقية تعمل مثل وكالات الأسفار، إذ تتكلف أحيانا بتفاصيل الرحلة السياحية “الجنسية” من أولها إلى آخرها مقابل أسعار تختلف حسب مدة الرحلة وجودة العرض، كما تقدم لزبائنها خدمات تضاهي ما هو موجود في الفنادق 5 نجوم، لضمان راحة الزبون، إلى جانب السهرات والليالي الحمراء التي هي الهدف الأول والأساسي من وراء الرحلة.

2000 درهم ل”القصارة” ومليون سنتيم للمبيت
وتتعامل هذه الشبكات مع نوعية “محترفة” من “القوادات”، تكون أرقام هواتفها معروفة لدى عينة محصورة من الأشخاص، تتكلف باقتناء مجموعة من الفتيات حسب الطلب، للمشاركة في حفل أو سهرة خاصة أو مهرجان (حفلات “الأفتر” التي تشمل كل ما طاب من أكل وشراب وجنس لطيف)، وتتولى مهمة إيصالهن بسيارات إلى أي مدينة مغربية كانت مقابل 1000 درهم للقوادة و2000 درهم لكل فتاة تحضر “القصارة”. أما إذا اختيرت إحدى تلك الفتيات لقضاء الليلة مع زبون، فيكون السعر بين 5000 درهم و10 آلاف. وقد يصل مبلغ التعويض إلى 30 مليون سنتيم للقصارة الواحدة، بالإضافة إلى الهدايا و”الشوبينغ”، بالنسبة إلى الزبائن القاطنين خارج حدود البلاد، حسب ما أكدته مصادر “الصباح”.
وإذا كانت شبكات الدعارة الراقية تتعامل كلها وفق منطق العرض والطلب، فإن طريقة تقديم “عروضها” تختلف من شبكة إلى أخرى. ففي الوقت الذي تعمل فيه بعضها على طريقة “معاينة البضاعة” في محلها، تفضل أخرى إرسال صور لفتيات من كل شكل وسن وطول وعرض، أو “فيديوهات” مصورة بجودة فائقة تظهرهن في أوضاع جنسية مختلفة، ليختار منها الزبون من تناسب ذوقه و”فانتازماته”، قبل الاتصال بعدها بالوسيطة أو الوسيط الذي يتوفر على “ريبيرتوار” بأسماء وصور الفتيات وأرقام هواتفهن، ليتم الاتفاق على مبلغ الخدمة ونسبة عمولة الوسطاء.

الحمامات والصالونات الراقية لاقتناص فتيات
تختلف الطرق التي تسلكها شبكات الدعارة الراقية لاقتناص فتياتها، ويبقى أفضلها بالنسبة إليها، اختراق محيط الجامعات حيث يسهل الإيقاع ب”الصيد” الثمين وإغرائه بالمال والهدايا، خاصة أن أغلب الطالبات يطمحن إلى تحسين وضعيتهن المادية والاجتماعية. “هؤلاء الفتيات لا يكون همهن التحصيل العلمي بل هدفهن من ارتياد الجامعة هو تفادي المكوث في المنزل وباش والديها ما يسولوهاش فين غادا ومنين جاية. وبما أنهن يعرفن أن الحياة الرغدة لن تتوفر لهن بالشهادة وإيجاد وظيفة، يكون من السهل عليهن الوقوع في مصيدة شبكات الدعارة الراقية”، يقول مصدر مطلع على طريقة عمل هذه الشبكات بحكم متابعته لهذه النوعية من القضايا، مضيفا أن أولئك الفتيات أنفسهن يستقطبن صديقاتهن أو جاراتهن اللواتي تتوفر فيهن الصفات والمعايير التي تطلبها تلك الشبكات في فتياتها.
الاستقطاب يتم أيضا داخل الحمامات العصرية الراقية وفي صالونات التجميل وفي “الكباريهات”، حيث يتم التقرب والتودد إلى الفتيات المطلوبات وتبادل الهواتف معهن وجس نبضهن. وغالبا ما تتم العملية من قبل “خبيرات” يعرفن بحدسهن وبحكم تجربتهن في المجال، مدى قابليتهن ل”الخروج على الطريق”.

علاقات قوية بجهات أمنية
تدار بعض شبكات الدعارة الراقية من قبل أجانب، غالبا ما يكونون لبنانيين أو أردنيين، مثل الأردني (من أصل فلسطيني) الذي سقط في قبضة الأمن (فيلا حي السيال التي أشرنا إليها قبل) وكشفت أبحاث الضابطة القضائية أنه يسخر ثلاث فيلات للغرض نفسه وينظم نشاطه بشكل سري للغاية، وبعضها الآخر تشرف عليه عاهرة سابقة أو قوادة تستثمر رصيدها من العلاقات مع خليجيين، لتبقى السرية التامة والتحرك في إطار محدود قاسمها المشترك.
ويعمل أعضاء هذه الشبكات على ربط علاقات قوية مع جهات أمنية، غالبا ما يكون نفوذها الترابي يقع في المناطق التي تعمل فيها، وذلك للتغطية على أنشطتها غير القانونية. وغالبا ما يتم ربط العلاقة بعد دعوة رجل الأمن لحضور “قصارة” أو المشاركة في سهرة يختار بعدها أحسن فتاة لقضاء الليلة معها، وهي السهرات التي لا تخلو من أشخاص ذوي مناصب هامة في البلد، ما يجعل شبكة العلاقات تتطور وتتشابك، ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل الاستمتاع باللحم الأبيض وراء التكتم الشديد للأمن على هذه النوعية من الشبكات وغض النظر عن أنشطتها، أم أن السرية والتنظيم المحكم الذين تشتغل وفقهما هذه الشبكات هما اللذان يصعبان على العناصر الأمنية تفكيكها واعتقال أفرادها؟

“الحوالة” موضة قديمة و”ريافة” يدفعون أكثر

إلى جانب شبكات الدعارة الراقية التي تعمل وفق نظام محدد، توجد أيضا عاهرات “كلاس”، يشتغلن بشكل فردي أو بالطريقة الكلاسيكية القديمة، يبحثن عن زبائن افتراضيين من الأثرياء، في الشواطئ الخاصة التي يرتدنها بكامل زينتهن وأناقتهن، أو في الملاهي الليلية والمطاعم و”الكباريهات” التي تعتبر سوق نخاسة حقيقية، تقصدها بائعات الهوى من مختلف المدن، وتباع وتشترى فيها أجساد البنات بإشراف مباشر من مسير المحل الذي يرتدي في الوقت نفسه جلباب قواد.
يقول مسير سابق في أحد “كباريهات” البيضاء: “في الماضي القريب، كان الحوالة (يقصد السعوديين) هم الزبائن المطلوبون لدى العاهرات اللواتي يرتدن المكان، أما اليوم، فيفضلن عليهم ريافة (نسبة إلى الريف) لأنهم كرماء وعندهم الفلوس بزاف وكا يخلصو مزيان. أغلبهم بزناسة ويشتغلون في الممنوعات”. ويضيف “الحرب الدائرة بين الكباريهات وفضاءات السهر تدور كلها تقريبا حول استقطاب أكبر نسبة من الزبائن الأثرياء، وهي العملية التي لا تتم بدون وجود ممتهنات الدعارة الراقية هناك، لذلك يخصص لهن صاحب المحل وجميع المسؤولين داخله معاملة خاصة، سيما إذا كانت من المطلوبات لدى الزبائن”.
من جهته، حكى مسير أحد المطاعم الراقية ب”الكورنيش”، ل”الصباح”، واقعة طريفة كان شاهدا عليها، بين زبونتين معروفتين بممارسة الدعارة بشكلها “الراقي”، إذ أقامت إحداهن الدنيا ولم تقعدها من أجل تغيير مكان جلوسها، فقط لأن زميلتها، التي تجلس مع زبون لها في المكان المجاور، تحمل حقيبة يد من علامة “إرميس” من الفئة الأولى التي لا “يتجاوز” سعرها 5000 أورو (حوالي 5 ملايين سنتيم) في حين تحمل هي حقيبة اليد نفسها، لكن بسعر يصل إلى 30 مليون سنتيم، وبالتالي فمن غير اللائق أبدا أن تكون طاولتاهما متجاورتين”.
وتنقسم العاهرات “الكلاس” إلى فئات، فمنهن من تشتغل على المدى القصير “وكا تضبر على راسها بالفلوس”، أو بمعنى آخر “كا تخرج وتخلص”، ومنهن من تعمل بسياسة المدى المتوسط، فتتحصل، إضافة إلى المال، على الهدايا من ساعات فاخرة وحقائب يد وأحذية “سينيي”، وهناك من تفكر أبعد من أنفها، فتطمح فوق هذا كله إلى “الطونوبيلة” و”البريطمة”، توضح إحدى القوادات، في دردشة قصيرة مع “الصباح”.
وهناك فئة أخرى تواكب التطور التكنولوجي وثورة الأنترنت، وتفضل البحث عن صيدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة “أنستغرام”، من خلال عرض صورهن “السيكسي” وصور آخر ما اقتنينه من حقائب ومجوهرات غالية الثمن، وهي الصور التي تكون بمثابة رسالة لكل من يحب أن يشتري ولا يكتفي بـ”التنزه”، بأن عليه أن يبذل الهدايا نفسها أو ما يعادلها قيمة مادية.

أمن المطار يتعرف بسهولة على العاهرات “الهاي”، ويعرف حتى من أرسلها إلى الوجهة التي تقصدها. فمظهرهن “الشيك” والملابس الغالية التي يرتدينها والحقائب الفاخرة التي يحملنها، لا علاقة لها بالمهنة التي يزاولنها، والتي غالبا ما تكون متخصصة تجميل أو عاملة في صالون للحلاقة أو غيرها من المهن البسيطة التي لا تخول لصاحباتها أن يمتلكن آخر صيحات “الآيفونات” و”الماركات”. ومنهن من لا تملك أي مهنة أصلا. فمن أين لهن هذا؟، يقول واحد من المصادر التي اعتمدتها “الصباح” لإنجاز تحقيقها.
من جهته، عبر رئيس مصلحة التأشيرات بإحدى القنصليات، في حديث إلى “الصباح”، عن استغرابه في كل مرة يطلع على وثائق فتيات يطلبن التأشيرة، لا يتجاوز عمرهن 18 سنة ولا يتحدرن من عائلات غنية ولا يمارسن أي مهنة ومستواهن الدراسي “هابط”، لكن يملكن في حساباتهن البنكية مبالغ كبيرة تصل 4 ملايين درهم مثلا، إلى جانب الأملاك.

إنجاز: نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق