الأولى

“تخراج العينين” تقنية الرميد للإقناع

وزير العدل والحريات يستعيد نبرته الحادة دفاعا عن التقاعس الحكومي

بدا ظاهريا، من خلال حلقة الثلاثاء الماضي من برنامج «ضيف الأولى»، أن الضيف مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، «شرمل» مقدم البرنامج ومحاوره محمد تيجيني، و«تبورد» عليه في الحلقة التي تابعها المشاهدون على القناة الأولى.
والواقع أن العكس هو الذي حصل، إذ تمكنت أسئلة تيجيني من إخراج الوزير من جبة المسؤول الذي يطلق الكلام الموزون،

والمنقوع في بنج التبريرات والبحث عن حسن التخلص من ورطات التدبير الحكومي، التي وجد وزراء «بيجيدي» أنفسهم مجبرين على التعايش معها، والتماس الأعذار لوجودها واستمرارها، إلى شخص متشنج يفرض وجهة نظره بـ «تخراج العينين».
كانت النقطة التي أخرجت الوزير عن جادة هدوئه، هي مواجهته من قبل محاوره بمجموعة من التصريحات لوزراء ضمن الحكومة التي يقودها «بيجيدي»، منهم نبيل بنعبد الله، أو برلمانيون وقياديون تابعون للحزب نفسه، يشتكون من الفساد الذي طبع العملية الانتخابية، ويتحدثون عن استعمال المال، بل يفصلون القول في طريقة هذا الاستعمال، و»الطريفات» التي اعتمدها مستعملوه في استمالة المصوتين، دون أن تتحرك النيابات العامة التي يرأسها الرميد بصفته وزيرا للعدل والحريات.
فكانت المسألة فعلا محرجة هي إما أن النيابة العامة ومعها وزارة العدل تغضان الطرف عن هذا «الفساد الانتخابي»، وإما أن تصريحات هؤلاء المسؤولين غير مسؤولة، ومبنية على وهم لا يرونه إلا هم، وبالتالي وجب عليهم أن يصمتوا أو يأتوا بما يبرر أقوالهم، لكن الوزير فضل إغلاق النقاش في الموضوع بنبرة حازمة وتهديدية وكأن الحديث يتعلق بـ «كيفية استواء الرحمن على العرش».
هذه النقطة بالذات استوجبت «زبد» الوزير، الذي تحولت نبرته الهادئة التي استهل بها مداخلاته في البرنامج، إلى نبرة حادة، خرج فيها الرميد عن صوابه واستعاد لهجته التي كانت تطبع أسلوب حديثه قبل الاستوزار، وكان يحتج بها على الفساد حين كان يتبنى خطابا حقوقيا، ليستعيدها هذه المرة للدفاع عن المسؤولين ويحذر من هتك حرمتهم وعدم تسويد وجوههم وكأنهم صاروا في مصاف المقدسين، بل وينصب نفسه محاميا عليهم ويتنصل بدلا عنهم من تصريحات لو أطلقت في دولة بها حد أدنى من المسؤولية لقامت فيها القيامة.  
وكان من سوء حظ تيجيني، أو لحسنه، أنه فضل محاورة الرميد بمفرده، وكسر قاعدة البرنامج بعدم استقدام صحافيين آخرين يقاسمونه مهمة محاصرة  الضيف بالأسئلة المحرجة وهذا جزء من مهامها، ليستفرد به ويحاول أن يمارس عليه نوعا من القمع الخطابي واللفظي، إذ يمكن أن نتخيل لو أن منسوب الإحراج في الأسئلة رفع قليلا بحضور صحافيين آخرين، لطبق الوزير الحد على أحدهم.
في أبجديات التحليل النفسي، وضمن المعلومات العامة المشتركة بين الجميع، معروف أن لحظات الانفعال والغضب هي التي تكشف معدن الناس وبواطنهم وحقيقة ما يخفونه، وهي اللحظات التي ينفلت فيها السلوك من رقابة الشعور التي يمارسها الفرد على نفسه، ولا يكون فيها مضطرا إلى الإفصاح عن هويته إلا إذا تعرض إلى مثير فتكون استجابته عاكسة لحقيقته. وفي حالة الرميد، يبدو أن لحيته «المشذبة»، بما يعنيه التشذيب حقيقة ومجازا، لم تعفه من العودة إلى سلوك الانفعال و«تفزعيت»، الذي كان البعض قد اعتقد أن الرميد تجاوزه بمجرد استوزاره، ليستعيده هذه المرة دفاعا عن التقـــــــاعس الحكومي.
عزيز المجدوب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق