خاص

وكالات أسفار تخلت عن حجاجها

حاج: عشنا صدمة وكانت بيننا حاجات يعانين السرطان والقصور الكلوي وتخلفنا عن موعد طائراتنا

عم استياء كبير الحجاج والحاجات المغربيات، الذين لا يزالون يبحثون عن أفراد من أسرهم المفقودين، بعد تأخر السلطات السعودية في الكشف عن هوية أغلب المصابين، والمتوفين، ومصير المفقودين، وما إذا كان بعضهم اعتقل لظروف معينة، إذ راج هذا الأمر في صفوفهم، أم أنه ولج المستشفى، ولم يكشف عن اسمه. وقالت حاجات مغربيات لـ»الصباح» إنهن يعانين كثيرا جراء عدم كشف الحقيقة كاملة، وصمت السلطات المغربية في اليومين التاليين لفاجعة منى، التي جرت لسوء التنظيم، وليس نتيجة تدافع بين الحجاج، كما شعرن بحزن شديد، لأنهن وجدن أنفسهن في مواجهة المجهول، بدون مساعدة إنسانية وبدون دعم نفسي.
وأكدت الحاجات أنهن في حيرة من أمرهن، هل سيغادرن العربية السعودية بعد انتهاء المناسك؟ أم سيبقين للبحث عن مفقودين، رغم انتهاء صلاحية التأشيرة ومن جهة أخرى، تواصل السلطات المغربية التنسيق مع نظيرتها السعودية من أجل تسهيل عملية التحديد السريع لهوية الحجاج المغاربة الذين لا يزالون في عداد المفقودين، وأكد بلاغ وزارة الخارجية المغربية، أنه سيتم إخطار الأسر، فورا، بنتائج هذه الإجراءات.
وحسب المعطيات الرسمية المتوفرة إلى حد الآن، تشير إلى وفاة 5 حجاج في حادث التدافع وإصابة ثمانية، فيما يتواصل البحث عن 34 حاجا في عداد المفقودين. ونشرت وزارة الخارجية والتعاون لائحة بأسماء الحجاج المغاربة المتوفين، والمصابين والمفقودين في حادثة منى، التي وقعت الخميس الماضي، وأدت إلى وفاة 769 شخصا.

ضاعفت بعض وكالات الأسفار المغربية معاناة ومحنة الحجاج المغاربة، خاصة الذين عاشوا حادث التدافع المأساوي، إذ تخلت عنهم في عرض الشوارع، وتسببت في تخلفهم عن مواعد طائرات العودة إلى أرض الوطن.
وقال حاج مغربي، متحدر من مراكش، في اتصال هاتفي أجرته معه “الصباح”، إن وكالة أسفار اتصلت بهم عبر مسؤوليها الأحد الماضي، لتخبرهم أنها ستوفر لهم حافلة لتقلهم إلى المطار في الثانية عشرة زوالا من أول أمس (الاثنين)، بتوقيت مكة، غير أنها أخلفت موعدها وتركت مجموعة من المغاربة مكونة من 38 حاجا وحاجة ينتظرون.
“انتظرنا ساعات طويلة إلى غاية الساعة الثانية صباحا، وكانت طائرتنا ستقلع في الساعة الرابعة صباحا”، يقول الحاج زهير العرجون، مضيفا باستياء، أن من بين المجموعة التابعة للوكالة نفسها، نساء يعانين مرض السرطان والقصور الكلوي، وأنهن واجهن مصاعب صحية بسبب طول الانتظار والعياء الشديد، إضافة إلى “الصدمة التي عشناها جميعا نتيجة الحادث المؤلم في منى”.
وحسب الحاج المغربي، فإن المجموعة شعرت ب”حكرة”، خاصة عند وصول حافلة مهترئة لتقلهم، “كانت في وضعية مزرية جدا، لكننا رغم ذلك ركبنا ووضعت حقائبنا فوق سطح الحافلة، قبل أن تسقط إحداها في الطريق إلى المطار فوق سيارة أجرة”، يحكي الحاج بمرارة، مضيفا أن حادث سقوط الحقيبة تسبب في عرقلة السير وفي إصرار شرطي على القيام بالإجراءات المطلوبة، “وبذلك كانت طائرتنا قد حلقت في السماء، وبقينا في انتظار المطوف”.
انضافت محنة انتظار ساعات في العراء إلى محنة انتظار في الحافلة المهترئة، قبل أن يقرر المطوف إعادة مجموعة من الحجاج المغاربة إلى فندق الدار البيضاء بمنطقة العزيزية، “وإلى حد الساعة لم يظهر أي واحد من المسؤولين عن هذه الشركة، حتى المطوف الذي أوصلنا إلى الفندق اختفى”، يضيف الحاج وهو يردد عبارة “لا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم”، “حكرونا حكرونا”.
وحسب المتضررين، فإنهم التقوا الوزير بوسعيد، بعد إعادتهم إلى الفندق، ونقلوا إليه شكاياتهم، بعد أن فشلت وقفتهم الاحتجاجية الصغيرة، غير أنه وعدهم بدوره بحل المشكل دون جدوى.
وعن حادث منى المأساوي، قال الحاج زهير العرجون، إنه وقع على بعد مسافة قصيرة من مخيمات الحجاج المغاربة، “كانت الجثث قريبة منا جدا، وأصبنا بصدمة وخيبة أمل كبيرة، لكن قدر الله ما شاء”، ونفى الحاج أن يكون تعرف على أي حاج من المصابين أو ضحايا الحادث، مضيفا أن الحجاج أصيبوا بهلع وصدمة، جعلتهم يلتزمون الصمت، مؤكدا أن تأخر إزالة الجثث أثر فيهم  نفسيا، “كنا نريد العودة لكننا الآن محاصرون هنا، لا نعرف إلى من نوجه الخطاب والشكوى غير الله سبحانه وتعالى”. يضيف الحاج، مطالبا بفتح تحقيق في طريقة تعامل بعض وكالات الأسفار مع الحجاج المغاربة ومحاسبتها.
ضحى زين الدين

حجاج باتوا في العراء بسبب تأخر الحافلات

لم تتوقف مآسي بعض الحجاج المغاربة، إذ بعد فاجعة منى، التي لا يعرف فيها مصير 155 مغربيا، مسجلين في لائحة المفقودين، عاش حجاج بيت الله الحرام، ليلة عصيبة، وهم من البعثة 84، إذ أخرجوا من الفندق، على الساعة التاسعة من صباح أول أمس(الاثنين) على أمل نقلهم في الحافلة المتجهة إلى المدينة المنورة.
واعتقد الحجاج رجالا ونساء، أن التأخر الحاصل في وصول الحافلة أمر عاد بالنظر إلى إمكانية وجود ازدحام في الطريق، كما حصل، حينما انتظروا 7 ساعات الأحد الماضي  كي ينطلقوا من منى، إلى مكة، وبعضهم مشى، بما يعني ذلك من مخاطر الإصابة بضربة شمس.
وفوجئ الحجاج بتركهم عرضة للشارع، لساعات، بلا ماء ولا أكل، قرب بوابة الفندق، وحينما اتصلوا بمسؤول وكالة «أسفار المدينة»، كان الرد أنهم أدوا ما عليهم من واجبات للمطوف، الذي كان عليه أن يحضر الحافلة ساعة قبل موعد انطلاقها، وحينما بحثوا عنه لم يجدوه، بل دخل بعض العاملين في الفندق في ملاسنات مع بعض الحجاج، الذين تعبوا وأنهكهم الجوع والعطش، إذ منعوا من العودة إلى غرفهم، والتحرك في اتجاه الحرم المكي.
وحينما طالبوا بالحديث إلى أي مسؤول سعودي، كان الرد سلبيا، كما جربوا رقم البعثة المغربية، الذي أحيانا يرد بتسجيل المعطيات، والوعد بحل المشاكل دون جدوى، وأحيانا أخرى «ما مسوقينش».
ولم تتوقف مساعي الحجاج الذين عاشوا ليلة رعب ثانية، في البحث عن رقم وزارة الحج السعودية، التي ردت أن المطوف هو السبب، لكنها عوض أن تسائله عن خطئه الذي ارتكبه، أو الوعد بسحب رخصة عمله، طلب من الحجاج والحاجات الصبر الجميل، فكان الرد قويا مزلزلا، كالآتي» إذا كان أي مسافر مهما كانت جنسيته أو ديانته في أوربا، تأخرت عنه وسيلة نقل لسوء أحوال جوية، فإن أول شيء تقوم به شركة النقل، هو إيواء جميع الركاب في الفندق ليلة كاملة، وأحيانا ثلاث ليال، إلى حين حل المشكل، لكن أنتم المسلمون في أرض مقدسة، تهمشون المسلمين».
وقالت حاجة تحدثت إلى «الصباح»، أنها خاطبت مسؤولين سعوديين «تقولون إننا ضيوف الرحمان، طيب، قوموا بضيافة هؤلاء الحجاج والحاجات، لبعض ساعات حتى ينقضي الليل، وتأتي الحافلة، امنحوهم قطعة خبز جاف وكأس ماء ، قدموا لهم أدوية، اسألوا عن أحوالهم، اطمئنوا عليهم، ولو بالهاتف، قولوا لهم أنتم ضيوف الرحمان، سنساعدكم»، وانقطع الخط الهاتفي، لأن الواقع المر للحجاج والحاجات، أضحى صورة مألوفة لمسؤولي هذه الأرض الطيبة .
وقصص هؤلاء تدمي القلوب، منهن من فقدن أزواجهن، الذين خرجوا يوم رمي الجمرات، الخميس الماضي، ولم يعودوا، ومنهم من كان ذاهبا لتقصير شعره، في اتجاه طريق مكة ولم يعد، لأن فاجعة منى لم تكن بسبب التدافع، ولكن لسوء التنظيم، إذ لا يعقل أن توضع بوابات حديدية، في زمن التكنولوجيا التي تجعل الأبواب تنفتح إلكترونيا وعن بعد، حينما يقف أزيد من 200 حاج، وليس حينما يصل عددهم إلى 3 آلاف أمام بوابة ينتظرون لأزيد من ساعة تحت أشعة شمس حارقة، في 47 درجة حرارة بدون ماء، هم سقطوا تباعا من شدة الاختناق، فوقع واحد فوق الآخر، في مشهد مرعب، وعوض أن تطبق خطة إنقاذ، وضعت عائلات الضحايا في الخيام، لأزيد من 14 ساعة، ومنعوا من المغادرة ومعرفة مصير ذويهم، وهل هم على قيد الحياة أو يحتضرون، أو مصابون، لمصاحبتهم إلى المستشفيات.

البحث عن المفقودين في”فيسبوك”

لم يتلق الحجاج والحاجات، أي دعم نفسي، وهم يشاهدون مآسي سقوط ضحايا أبرياء، بينهم من يستعمل مهدئات، ويعاني كوابيس، والأخطر من ذلك، أنهم شاهدوا نقل الضحية المتوفي، مع المصابين في سيارة إسعاف واحدة أو شاحنة، فيما كانت قارورات الأوكسجين منعدمة، لإسعاف من فقد وعيه».
ولم يتوقف الحجاج في البحث عن ذويهم، كما أسرهم بالمغرب، الذين لم يشعروا بعيد الأضحى، إذ جربوا كل أرقام المسؤولين المغاربة وكل الوزارات بالعربية السعودية، ولا خبر واحد، لذلك نشروا صورهم في الفيسبوك، للبحث عن المفقودين.

أحمد الأرقام

كرونولوجيا 40 سنة من المآسي
حرائق واشتباكات ومظاهرات وتدافع خلفت مئات الضحايا
لم يكن حادث التدافع الأخير في الحج، الحادث المأساوي الوحيد، الذي أودى بحياة مئات مؤدي المناسك، إذ شهدت مواسم الحج، وعلى امتداد أربعين سنة الماضية، اندلاع حرائق وانهيار فنادق وأعمال عنف، كانت حصيلتها من المصابين ثقيلة.
 ويعود أشهر حادث، إلى 1975، باندلاع حريق في مخيمات للحجاج قرب مكة، وأسفر عن مقتل 200 حاج، وهو الحريق الذي خلصت التحقيقات، إلى تسبب قنينة غاز في اندلاعه.
وبمرور أربع سنوات عن الحريق المذكور، شهد موسم حج 1979، اقتحام مسلحين مناهضين للحكومة السعودية، المسجد الحرام، واحتجزوا عشرات الحجاج رهائن، ما استدعى تدخل قوات الأمن الخاصة بالمسجد الحرام لتحريرهم، عير أن الحصيلة كانت اشتباكا خلف  إصابة 153 شخصا، كان بينهم موتى.
وفي 1987،  لقي أكثر من 400 حاج، مصرعهم، كان بينهم 275 إيرانيا، عقب اشتباك مع قوات الأمن، تدخلت لتفريق مظاهرة للحجاج الإيرانيين، قاموا خلالها بإحراق سيارات، احتجاجا على دعم دول غربية لنظام صدام حسين في حربه ضد إيران، وأدى الحادث إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران.
وفي وقت تقرر فيه منع الإيرانيين من الحج، بعد ذلك الحادث، لأربع سنوات متتالية، لم يسلم موسم حج 1989، من تسبب حجاج شيعة من الكويت، في مقتل حاج وإصابة 16 آخرين بعد نزاع مع حجاج سنيين، وهو موسم الحج ذاته، الذي قتل فيه خمسة باكستانيين وجرح 34 آخرين إثر حريق وقع في مخيم قرب مكة.
ويعد موسم حج 1990، الأكثر مأساوية، على غرار حج الموسم الحالي، إذ لقي فيه 1426 حاجا مصرعهم اختناقا، داخل نفق مرور في منى، نتيجة للتدافع بعد توقف أجهزة التهوية عن العمل في النفق.
وبحلول موسم 1994، عاودت الحوادث ظهورها في مكة، بتدافع بين الحجاح فوق جسر الجمرات، أسفر عن مقتل 270 حاجا دهسا بالأقدام، وهو الحادث الذي أرجعته السلطات السعودية إلى الازدحام.  
وفيما لقي 343 حاجا مصرعهم، وجرح أكثر من 1500 آخرين، في حريق نشب خلال موسم 1997، في مخيم الحجاج في وادي منى بالقرب من مكة، شهد موسم 1998، وقوع تدافع أدى إلى مقتل أكثر من 118 حاجا خلال عملية رمي الجمرات، وهو الحادث الذي تكرر في 2004، وخلف وفاة 251 حاجا.
ومنذ 2006، تاريخ وفاة 364 حاجا، بسبب وقوع تدافع جديد في منى، ومصرع 76 آخرين، في انهيار فندق، لم تسجل باقي مواسم الحج أي حادث، إلا بحلول موسم 2015، الذي شهد سقوط رافعة الحرم المكي ووفاة 108 من الحجاج، تلاه حادث التدافع الأخير الذي خلف أكثر من 1400 ضحية، بين ميت ومصاب ومفقود.
امحمد خيي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق