fbpx
حوادث

قتل وانتحار من أجل الإرث

المتهم صلى الظهر رفقة شقيقته قبل أن يجهز عليها في منزلها بآسفي

رغم أنه يبلغ من العمر عتيا، ظل عبد الله مصرا، على أن يواجه شقيقته ويصفي معها خلافاته الدائمة حول نصيبه من الإرث، مهما كلفه ذلك من ثمن، أما شقيقته «فاطمة» المزدادة سنة 1956 فكانت تدعوه إلى التريث، وأن كل واحد سيحصل على نصيبه، كما كانت تحاول أن تقنعه بعدم بيع نصيبه وتبديده،

إذ أن الإرث هو ما يربطه بجذوره وبلاده التي رأى النور فيها، غير أن «عبد الله» كان له رأي آخر وقرر أن يصفي شقيقته بعدما كان يبحث عن تصفية نصيبه من الإرث… في حدود الساعة الواحدة ظهرا، حضر عبد الله المزداد سنة 1953 إلى منزل شقيقته، كما هي عادته، إذ يتردد عليها من حين لآخر.
جلس القرفصاء ببهو المنزل، في حين بادرت شقيقته إلى إعداد الشاي لشقيقها، الذي ظل صامتا وينظر إليها بازدراء، ما جعل الأخيرة تستفسره لكن دون رد.
ظل على هذا الحال، إلى حين أذان الظهر، إذ طلب من شقيقته أن ترافقه لأداء الصلاة بمسجد الزاوية، غير بعيد عن منزل فاطمة بزنقة سطات بحي تراب الصيني بآسفي.
صليا معا الظهر، وفي طريق عودتهما، كانا يتناقشان حول الإرث الذي تركه والدهما، وعاتب شقيقته لعدم حزمها في تصفية التركة، معتبرا ذلك تقصيرا منها في حقه.
حاولت فاطمة تهدئة شقيقها، لكن بمجرد أن وصل إلى المنزل، صار يصيح بأعلى صوته، ويطلب نصيبه من الإرث حالا، متوعدا إياها، إن رفضت منحه نصيبه من الإرث، وهو ما جعل فاطمة تثور في وجهه هي الأخرى، وتتهمه بمحاولة تبديد إرثه وتضييعه، وقطع علاقته بتربة الأجداد، وهو أمر لم يستسغه عبد الله، الذي هدد فاطمة ـ إن هي لم تحسم الأمر حالا ـ أن يعتدي عليها، وحمل سكينا كبيرا.
كان صوت فاطمة وعبد الله يصل إلى الجيران، وكل مار من الشارع، وسمع الجميع تهديدات عبد الله، لكن لا أحد ظن أنها سينفذ تهديده في حق شقيقته، سيما أن خلافاتهما حول الإرث تثار من حين لآخر، ويسمع صوت نزاعهما خارج المنزل.
بعد ذلك، تعالى صراخ الضحية التي استنجدت بالجيران، لكن لا أحد استطاع أن يتدخل أو يطرق الباب.
كان عبد الله في تلك اللحظات يحمل سكينا كبيرا، وضرب شقيقته، قبل أن يوجه إليها طعنة نحو الوجه، ورغم ذلك ظلت تقاومه، وخدشته في وجهه ويده، ليوجه إليها طعنة غادرة نحو صدرها، سقطت معها الضحية أرضا، وظلت تصارع الموت إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة.
بعدما سقطت الضحية، استخرج عبد الله مبلغا ماليا من جيبه يقدر بثلاث مائة درهم، ولطخها بالدماء، ووضعها في فم الضحية، وكأنه يقول لها «ذاك نصيبك من الإرث… من وسخ الدنيا».
أخيرا نفذ عبد الله تهديداته في حق شقيقته، وأدرك ما ارتكب من فعل جرمي سيجره إلى غياهب السجون، وسيقضي ما تبقى من عمره، وراء القضبان.
وللتخلص من وجع الضمير، ومن حياة العذاب في السجون، قرر ارتكاب جريمة أخرى هذه المرة في حق نفسه، بعدما استعان بسكين كبير، وحاول قطع شرايين يده، لكن المحاولة باءت بالفشل، ليعمد بعد ذلك إلى الاستعانة بحبل بلاستيكي، ولفه على عنقه، ووضع كرسيا خشبيا، وربط الحبل إلى إحدى دعائم السطح، ثم انتحر.
أسلم عبد الله وفاطمة الروح إلى بارئها، وساد الصمت المنزل، ما أثار شكوك الجيران، الذين ربطوا الاتصال بالمصالح الأمنية بالمدينة، وأخبروهم بالشكوك التي راودتهم. توجهت مصالح الشرطة صوب المنزل المذكور، وربطت الاتصال بصاحبه، أي زوج فاطمة، الذي كان يشتغل مسؤولا بجهاز مديرية مراقبة التراب الوطني، والذي حضر على التو، وهناك تم طرق الباب عدة مرات دون مجيب، وتم الاتصال بهاتف الزوجة فاطمة، غير أن هاتفها ظل يرن دون رد، لتقرر عناصر الشرطة القضائية، وبتنسيق مع النيابة العامة اقتحام المنزل، لتكون المفاجأة، العثور على جثة الزوجة ممددة على ظهرها وتحمل طعنتين الأولى في اتجاه الصدر والثانية في الوجه.
وبعد تفتيش دقيق، تم العثور على السكين أداة الجريمة، في حين تم العثور على الجاني في الطابق الثاني، مشنوقا، ويحمل آثار جروح في اليد، ناتجة عن محاولة قطع شرايين يده، وخدوش أخرى يفترض أنها ناتجة عن مواجهته مع شقيقته الضحية.

 

الريبوح:  سقوط الدعوى العمومية

يؤكد حسن الريبوح، محام بهيأة آسفي، أن الفعل الذي ارتكبه شقيق الضحية، يعد جناية القتل العمد، التي أطرها الفصل 392 من القانون الجنائي، والقتل هو إزهاق روح إنسان عمدا بغير حق بفعل إنسان آخر مهما كانت الوسيلة المستعملة، وكي تتحقق جريمة القتل العمد يجب أن يتوفر كل من العنصرين التاليين، أولهما العنصر المادي، وهو وقوع الفعل على إنسان على قيد الحياة، أي حصول نتيجة إجرامية من هذا الفعل بمعنى إزهاق روح الإنسان، ووجود علاقة سببية بين الفاعل وموت الضحية، ثم العنصر المعنوي، ويتمثل في القصد الجنائي، أي انصراف إرادة الجاني بصورة حرة إلى ارتكاب جريمة القتل، وهو عالم بالفعل الذي ينصرف إليه. أمام هذه الحالة، فإن المتهم، كان سيواجه عقوبة قاسية، بناء ما على ما توفر من معطيات، غير أنه بموته (بعد ارتكاب فعل الانتحار) سقطت الدعوى العمومية.

محمد العوال (آسفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى