fbpx
خاص

“الرسالـة” أشهـر فيلـم عـن الرسول

رخص له الحسن الثاني بالتصوير قبل أن يتراجع بضغط سعودي

كانت أول محاولة عربية لتجسيد شخصية النبي محمد، خلال منتصف عشرينات القرن الماضي،

حين تلقى الممثل المصري يوسف وهبي عرضا من إحدى شركات الإنتاج للمشاركة في عمل فني عن نبي الإسلام يجسد فيه دور البطولة.

 

وحضّر الممثل المصري نفسه للقيام بالمهمة، إلا أنه فوجئ برد فعل حاد من قبل المرجعيات الدينية بمصر والعديد من المثقفين الذين عارضوا الفكرة، فبلغ الأمر الملك فؤاد الذي حذر بدوره وهبي من مغبة التطاول على شخصية الرسول، فلما وجد نفسه محاصرا وسط آراء صبت في مجملها نحو رفض الفكرة جملة وتفصيلا، عدل عن تنفيذ المشروع ورضخ لسلطة المشايخ.

ظلت فكرة تجسيد الرسول تداعب خيال المخرجين والممثلين العرب طيلة عقود بعدها، لكن لا أحد تمكن من تنفيذها، خوفا من ردود أفعال رجال الدين ومعهم مختلف مكونات المجتمع التي كانت تنجرف في الغالب خلف توجيهات الفقهاء والمشايخ، فكانت الأعمال الفنية تركز على شخصيات دينية دون أن تقترب من دائرة التحريم التي أحاط بها رجال الدين، الرسول محمد وبقية الأنبياء وكذلك الصحابة، فظهرت أفلام من قبيل «رابعة العدوية» و»الشيماء» و»فجر الإسلام» و»إسلاماه» وغيرها.

وخلال مطلع السبعينات قرر المخرج السوري مصطفى العقاد خوض تجربة عدت الأكثر جرأة في تاريخ السينما العربية إلى حدود تلك الفترة، بإنجاز فيلم عن شخصية النبي محمد، سعى فيه إلى توظيف خبراته الأكاديمية والفنية التي اكتسبها من دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية.

منذ اللحظة التي انتشر فيها خبر مباشرة العقاد استعداداته لإنجاز فيلم بعنوان «محمد رسول الله»، تفجر النقاش على صفحات الجرائد بين من يرحب بالمبادرة وبين من يرفض رفضا باتا أن يكون الرسول موضوعا سينمائيا إضافة إلى التساؤل عن الكيفية التي سيلجأ إليها المخرج السوري لإسناد دور النبي إلى ممثل معين، واحتد النقاش أكثر حين بلغ إلى علم الناس أن هناك ممثلين غربيين وأجانب ستسند لهم أدوار في الفيلم المثير للجدل.

وعقد مصطفى العقاد جلسات مطولة مع مجموعة من الكتاب أشرفوا على كتابة الفيلم، بينهم الكاتب الإيرلندي هاري كرايغ، مؤلف فيلم «لورانس العرب»، والكاتب المصري توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار وأحمد شلبي وعنصرين آخرين انتدبهما الأزهر لمراقبة طريقة صياغة مضامين السيناريو والقصة.

استغرقت كتابة الفيلم سنة كاملة، اعتكف فيها المخرج والكتاب بأحد فنادق القاهرة، وحدثت مناقشات حادة خاصة مع ممثلي الأزهر، بهدف إيجاد صيغة توافقية ترضى عنها المرجعيات الدينية بمصر والعالم العربي، وبعدما اطلع «الأزهريون» على السيناريو وعرفوا أن نصه يحترم الرواية المشهورة للسيرة النبوية، وملتزم بالوقائع التاريخية كما وردت في الكتب الصحاح، وأيضا بعد أن عرفوا أن شخص النبي محمد والعشرة المبشرين بالجنة لن يظهروا على الشاشة  لا شخصا ولا ظلا ولا خيالا ولا صوتا ، وافقوا على السيناريو ووضعوا ختمهم على كل صفحاته، كما تمت الموافقة عليه من قبل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان.

واصطدم العقاد أيضا بأعضاء رابطة العلماء في العربية السعودية، حين حاول البحث عن مكان لتصوير الفيلم، إذ يذكر المخرج السوري، في أحد حواراته السابقة، في أحد لقاءاته بأعضاء الرابطة لإقناعهم بترخيص الفيلم، عندما تحدث أحدهم بتحريم الصورة، فرد عليه العقاد بأن أول معلومة تلقاها في أكاديمية السينما كانت أن مخترع الكاميرا هو العالم العربي الحسن بن الهيثم، مضيفا أنه ليس باللائق في الوقت الذي تصل فيه البشرية القمر، ما تزال عقلية المؤسسة الدينية جامدة لا تتطور، فأجابه الرجل نفسه أن الصعود إلى القمر كذبة لم تحصل، فأخذ مخرج «الرسالة» سيناريو فيلمه وانسحب من الجلسة غاضبا.

كان أول المقتنعين بمشروع الفيلم، الملك الراحل الحسن الثاني، الذي سمح للعقاد بتصوير المشاهد الأولى للفيلم بعدد من مناطق المغرب، وهو ما أتاح الفرصة للعديد من الممثلين المغاربة المشاركة فيه مثل محمد حسن الجندي والطيب الصديقي وحسن الصقلي ومحمد مجد وآخرين.

بعد ستة أشهر من التصوير ، اضطر المغرب إلى إيقاف الترخيص للفيلم بالتصوير بسبب ضغوط دينية سعودية، بعد أن هدد العاهل السعودي بمقاطعة مؤتمر قمة عربي كان سيحتضنه المغرب، ما جعل الملك الحسن الثاني يستدعي المخرج العقاد ويعتذر له، فاضطر فريق عمل فيلم «الرسالة» إلى الانتقال إلى الصحراء الليبية لإتمام التصوير. وبالفعل أُكمل الفيلم بنسختيه العربية والانجليزية التي جسد فيها دور البطولة كل من الممثل المصري عبد الله غيث، والنجم العالمي أنطوني كوين، وفي ليبيا جرت أحداثه في الصحراء الجنوبية ، والبقية كانت بضواحي العاصمة طرابلس، بدعم من الزعيم الليبي معمر القذافي.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق