fbpx
حوادث

مغتصبو الأطفال لايستفيدون من عقوبات بديلة

المحامي الصوفي اعتبر أن المدونة الجنائية الجديدة أهملت إلغاء حالتي الاغتصاب بالعنف وبدونه

أجرى الحوار: عبدالحليم لعريبي

قال الأستاذ بوشعيب الصوفي محام من هيأة الرباط، ودفاع «جمعية ما تقيس أولادي للدفاع عن الطفولة» إن وسائل الإعلام لعبت دورا مهما في إخراج ملفات اغتصاب القاصرين من الطابوهات. وأكد الصوفي أن القاضي أصبح ملزما بالتعاطي مع ما ينشر في الصحافة. كما أوضح الدفاع أن مدونة القانون الجنائي الجديدة لم تستجيب لمطالبهم في إلغاء حالتي العنف أو بدونه في هتك عرض الأطفال والإبقاء فقط على حالة العنف لوحده.

 هل ترى أن الإعلام والمجتمع المدني لعبا دورا في إعادة مراجعة القانون الجنائي المغربي، وتشديد العقوبات ضد مغتصبي القاصرين؟
 أصبحنا نلاحظ الدور الهام لوسائل الإعلام من خلال التعريف باغتصاب الطفولة التي كانت إلى زمن قريب بمثابة «طابو»، بمعنى أنها كانت من الأشياء التي يحاط حولها جدار الصمت، من طرف الجميع أسرا ومجتمعا ووسائل إعلام،  وقليلا ما كانت تصل هذه الوقائع إلى القضاء، وكان من النادر أن نرى مثل هذه الملفات، إلا أنه مع انتشار وسائل الإعلام ومع الطفرة التي عرفها المجتمع المدني مجسدة في مجموعة من الجمعيات على قلتها التي تهتم بمشاكل الطفولة.
 ونلاحظ كذلك في العشرية الأخيرة أنه بات  يسلط الضوء عن هذه القضايا التي كانت تشكل خطا رماديا، وبالتالي كانت تبقى دائما بمثابة خط أحمر أو «طابو» يندر الحديث عنه، وطبعا وسائل الإعلام لها دور أساسي، فكلما طفت قضية من هذا النوع، يتعلق بالاعتداءات الجنسية على الأطفال، نلاحظ أن وسائل الإعلام تسلط الضوء على وقائعه بدءا من التقديم أمام النيابة العامة، ومرحلة التحقيق والإحالة على الجلسات العلنية ومتابعة المحاكمات بكل أطوارها، وبالتالي أصبح الإعلام يقود الرأي العام في مثل هذه القضايا، ويدفعه إلى تبني إدانة للاعتداءات الجنسية، وبالتالي تشكل ضمير جمعوي بشكل قوي يقول بصوت مرتفع لا للاعتداءات الجنسية، لا للبيدوفيليا ولا للسياحة الجنسية.

 هل يمكن أن نقول إن الإعلام يؤثر سلبا على مثل هذه القضايا؟
 الإعلام لا يؤثر سلبا لأن القاضي لا يحكم حسب علمه، فالقاضي مدعو إلى تحكيم وسائل الإثبات في الملف، وبالنظر إلى الوقائع المسطرة بين دفتي كل قضية على حدة، ولكن الإعلام قد يأتي بأشياء تدخل في إطار وسائل الإثبات، وبالتالي يساهم في تكوين القناعة الوجدانية للقاضي، تطبيقا للمادة 186 من قانون المسطرة الجنائي التي تعطي للقاضي الحق في تكوين قناعته الوجدانية والصميمية بأي وسيلة إثبات، فقد يأتي الصحافي بوسائل إثبات تغيب عن وقائع الملف وعن القاضي، وبالتالي قد يستعين بها الدفاع ويستحضرها وسيلة إثبات، أو حلقة مفقودة من ذلك الملف، وبالتالي فالإعلام النزيه والمحايد لا يشكل أي عرقلة للقضاء أو تأثير على القناعة الوجدانية للقاضي، وأن الأخير من حقه استعمال الوسائل التي توجد أمامه في جلسة علنية، وبالتالي فالإعلام بصفة عامة يمكن أن يكون رافدا من الروافد التي تساعد العدالة في الوصول إلى الحقيقة، إذا ما تم استحضار هذه الوسائل ونوقشت في إطار محاكمة عادلة واحترمت فيها الإجراءات المسطرية،  ولا حظنا في الآونة الأخيرة نشوء جيل جديد في وسائل الإثبات، لأنه في الحقيقة لا حظنا أن القضاء كان يعيش محنة تتجلى في ضآلة وانتقاص وسائل الإثبات في مثل هذه القضايا، لأن الجاني يتخذ الحيطة والحذر، ويتجنب كل سبل الالتفاف حول الحقيقة، حينما يرتكب فعلا جرميا في حق طفلة عزلاء، إذ يكون من الصعب على عائلة هذه الطفلة الولوج إلى القضاء في الوقت المناسب، ولذلك فالإعلام دوره إخراج القضية من العتمة إلى منطقة النور، وأصبحت تستحضر وسائل أخرى من خلال طبيعة تصريحات الطفل وارتباك المتهم، والعلاقة بينه وبين الضحية، وطبيعة هذه العلاقة، والنظر إلى السوابق القضائية، وكذا مجموعة من القرائن التي تقدمها وسائل الإعلام ومدى وجود الانسجام بين أجزائها، ويكون القاضي قناعته الوجدانية، عوض الارتكان إلى لازمة الإنكار يساوي البراءة، وبالتالي جعل حقوق الطفل المعتدى عليه جنسيا في مهب الريح.

 هل ترون باعتباركم محاميا مختصا في مثل هذه القضايا، أن مسودة القانون الجنائي الجديد جاءت بما كنتم ما تحلمون به في الدفاع عن حقوق الأطفال وتشديد العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم؟
 بإلقاء نظرة على مسودة القانون الجنائي الجديد، نلاحظ أن هناك فلسفة تغياها المشرع المغربي، وتبناها في تشديد عقوبات وإيجاد بدائل أخرى للعقوبات السالبة للحرية، ونلاحظ أول مرة أن المشرع أدخل منظومة في العقوبات السالبة للحرية التي لا تتجاوز سنتين، وتتمثل هذه البدائل في تقديم الخدمة العامة والخضوع إلى نظام علاجي أو تأهيلي، وهذه البدائل أرادها المشرع المغربي للحد من ثقافة الاعتقال، ولكن هذه العقوبة بالنسبة إلى المتورطين في  الرشوة والغذر والاعتداءات الجنسية، لم يتسامح معها المشرع، وأبقى عليها دون عقوبات بديلة، ولم يتهادن مع القضايا المتعلقة بالاعتداءات الجنسية، واستثناها من البدائل، وبالتالي المشرع لم ينظر بعين الرضى أو الرحمة للمغتصبين، وتعامل معهم بحزم، ونسجل ذلك بالباب المتعلق بانتهاك الآداب والأخلاق العامة، وهذا الباب تضمن مجموعة من المقتضيات المتشدد المتعلقة باغتصاب الأطفال، إلا أنه لم يراع مطالب جمعية «ما تقيس أولادي» بعدم التفرقة بين اغتصاب الأطفال بالعنف أو بدون عنف، فالمشرع أبقى على فرق بين حالة العنف أو دون العنف، و لا عبرة أن نفرق بين الحالتين، كنا نتمى أن يلغي العنف واللاعنف في قضايا الاعتداء الجنسي، ويبقي على هتك العرض بالعنف في جميع الحالات، على اعتبار أن الطفل من السهل استغلاله، وليس من المنطق أن نقول إن الاعتداء الذي استهدفه بعنف أو دون عنف.
وهذه العقوبات التي سنها المشرع في المادة  475 من القانون الجنائي، يعاقب عليها الجاني حسب المدونة الجديدة من ثلاث سنوات إلى خمس، وغرامة مالية من مليون إلى خمسة ملايين،  كل من غرر بقاصر تقل سنه عن 18 سنة بدون استعمال عنف ولا تدليس أو حاول ذلك، كما نلاحظ في المادة 473  يعاقب الجاني بالسجن المؤبد إذا كان غرضه فدية مالية.
كما نلاحظ  أنه في حال اختطاف الطفل وأدى الاختطاف إلى موت القاصر، فالنص الحالي يتضمن الإعدام، فيما المدونة الجديدة ألغت الإعدام وعوضته بالمؤبد، وبالتالي لم نرض لهذا التعديل داخل جمعية «ما تقيس أولادي»، لأنه في نظرنا يجب على قاتل الطفل إعدامه.
إلى جانب ذلك، نرى أن المادة 484 من القانون الجديد، نصت على معاقبة الجاني من خمس إلى 10 سنوات وغرامة من 20 ألف درهم إلى 200 ألفا، من هتك عرض طفل بدون عنف، ومن حاول هتك عرض قاصر معاق أو معروف بضعف قواه العقلية، فالجاني يعاقب من 10 سنوات إلى 20 سنة، أما إذا ارتكب باستعمال العنف فالعقوبة تتراوح ما بين 10 إلى 20 سنة، وبغرامة من خمسة ملايين درهم إلى 50 مليونا.

غياب قضاء متخصص

تتعلق الصعوبات بعدم وجود قضاء متخصص في مثل هذه القضايا، وهذا القضاء يجب أن يكون له تكوين يراعي وقع الجريمة على الطفل، إذ لا يعقل أن يتم استنطاقه في جلسة علنية ومساءلته في أشياء حميمية تجعل الطفل يعش وقائع الجريمة من جديد، ما يكون له انعكاسات تبقى راسخة في ذاكرته، وناذرا ما يلجأ القضاء إلى جلسات سرية على الأقل حين الاستماع إلى الطفل، وكذا استكمال المحاكمة في جلسة علنية حتى لا يستفيد المجرم من مزايا الجلسة السرية.

الإعلام واغتصاب الأطفال
 
عندما أتحدث عن دور الإعلام في دفع القضاء، وأتحدث من خلال ما راكمته من خلال الملفات التي تسند إلي من طرف جمعية «ما تقيس أولادي»، إذ لا حظنا في العديد من المرات، حينما يكون الإعلام سباقا بالتنسيق مع الجمعية في نشر أخبار عن الاعتداءات الجنسية، وفي الانفتاح على وسائل الإعلام، إذ بمجرد وضع الشكاية أمام النيابة العامة، تكون الصحافة بمثابة الضوء والنبراس ضد النفق الذي يريد له البعض أن يبقى حالكا ومظلما، وبالتالي تسليط الضوء على مثل هذه القضايا يدفع القضاء إلى تناول هذه القضايا وإعطائها أهمية قصوى، في الاهتمام بالطفل بمجرد تقديم الشكاية، وذلك بإحالته على الطب النفسي والتسريع في الاستماع إليه رفقة والده من قبل الشرطة، ثم الانتقال إلى إيقاف المشتبه فيه، خلافا للسابق التي كانت هذه الإجراءات تتم بشكل عاد وروتني، كما تشكلت بذلك خلايا العنف ضد الطفل، بل أكثر من ذلك تشكلت فرق من الضابطة القضائية مختصة في التحقيق في الملفات المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال، على غرار خلايا محاربة العنف ضد المرأة. وهذا كله مرده إلى الأهمية التي توليها وسائل الإعلام في التعاطي مع موضوع الاعتداءات الجنسية التي يتعرض لها القاصرون.

في سطور
 محام بهيأة الرباط
الإجازة في القانون الخاص من جامعة الحسن الثاني بالبيضاء
 دبلوم الدراسات العليا في القانون
 دفاع جمعية «ما تقيس أولادي لحماية الطفولة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى