بانوراما

في رحاب سيد القمني1

السير إلى جانب متبرجة في مصر مخاطرة

اقتحم بكتاباته مناطق الألغام في التاريخ الاجتماعي والفكري للإسلام، وتلك المناطق لا تصير كذلك إلا إذا تمنطق المقتحم إليها بأدوات تحليل جديدة، تتيح له التخلص من الأحكام المسبقة وتجعله ينظر إلى الأمور بتجرد يرفع غشاوة ألقيت على الأبصار والعقول طيلة قرون. إنه المفكر المصري سيد محمود القمني الذي وجد نفسه بمجرد ما فكر يوما في التصدي للأطروحة الأصولية في التعاطي مع التراث، حتى وجد نفسه متهما في أكثر من مناسبة في إيمانه وعقيدته، بل وصل الأمر إلى إهدار دمه وتهديده بالقتل في أكثر من مناسبة، ليتضح أن قتلة فرج فودة لم يكونوا يتوانون على الولغ في دمه إن أتيحت لهم الفرصة. صاحب كتاب “الحزب الهاشمي” و”حروب دولة الرسول” و”رب الزمان” و”النبي إبراهيم والتاريخ المجهول” وغيرها من الكتب العديدة التي أظهر فيها الكاتب المصري حسا أكاديميا وسجاليا على الخوض بجرأة في المناطق المحظورة.
وفي هذا السياق كان ل”الصباح” فرصة اللقاء به خلال زيارته الأخيرة للمغرب، قبل أسابيع، وخصها بحوار مطول ناقش فيه محطات من مساره الفكري ووجهة نظره في عدد من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي والواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، ننشره عبر حلقات.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

ما هو انطباعك  الأولي حول المغرب خاصة أنها أول زيارة لك؟
< فعلا هي أول زيارة، وسبق لي أن استدعيت قبل ذلك بسنوات من قبل فرع “أمنستي” بالمغرب، لكن لظروف أمنية صعبة كنت خلالها مهددا بالقتل من قبل منظمات إرهابية، فإنني أرسلت فقط مداخلتي عبر الفاكس وقرأها نيابة عني أحد أعضاء هذه المنظمة، وقبل ذلك كان لدي شوق قديم للمغرب خاصة أن الكثير من العائلات المصرية تعود إلى أصول مغربية مهاجرة، وأعتقد أنني أيضا أنتمي إلى إحدى العائلات المغاربية، وأشعر أنني جئت لألتقي أهلي القريبين وأتعرف عليهم عن قرب.
وقبل أن آتي كنت قد كونت انطباعا قلقا عن المغرب من خلال متابعتي لما يكتب في الجرائد والمواقع، إذ كنت متخوفا على الروح الحضارية المتأصلة في المغرب، وكنت أعتقد، وما زلت، أن ثقافته “أورومتوسطية”، لأنني كنت ألمس أنها أكثر قربا من الحضارات الأوروبية، هذا التخوف أصلا كان من شكل الحكومة ونسبة أصحاب المرجعية الإسلامية الغالبة فيها، وهناك تخوف ثالث هو هذا السلطان العجيب الذي بدأت أشاهده أو أسمع عنه خاصة في أحداث متقاربة من قبيل احتلال الشواطئ أو محاصرة فتيات لمجرد أنهن يرتدين تنورات، وهو شيء أخافني على هذا الوطن الجميل، سيما أننا في مصر عانينا أشد المعاناة وما زلنا من هذا المد الأصولي المحافظ، ومصر الآن في خطر، لكن خلال الأيام القليلة التي قضيتها وبعد أن تجولت في شوارع الرباط رفقة العديد من الأصدقاء المغاربة، لاحظت حجم المراكز الحضرية المتعلقة بالثقافة والعلم والفنون والمسرح والمشاريع الثقافية، هدأت قليلا، خاصة أن ما رأيته في الشوارع من عناوين لمؤسسات وهيآت كلها تتحدث عن جانب إيجابي، كما انتبهت إلى أن عدم انتشار ظاهرة اللحى والحجاب إلا في ما ندر، كما لاحظت نسبة كبيرة من الشباب يؤثثون مختلف الفضاءات، مما أعطاني انطباعا بأن هذا مجتمع شاب، شباب “شكلهم يفرح” غير منجرفين بشكل تام نحو تقليد الأزياء الغربية في شكل الشاذ والغريب، ولا هم متزمتون بالشكل الذي يثير المخاوف، بل أزياء معتدلة جميلة، ومهتمين بالحديث إلى  بعضهم البعض، أي إقبال على الحياة بشكل رائع، وبشكل لم نعد نعيشه في مصر كما كان عليه الأمر سابقا، ففي بلدنا لم يعد ممكنا أن تسير بكل حرية إلى جانب امرأة سافرة وأنت تتحدث إليها، حتى لو كانت زوجتك أو أختك، إلا وتجد أحد الفضوليين يتدخل ويطلب منها أن تستتر أو يطلب منك ذلك بكل وقاحة، هكذا تحول العقل إلى هذا الحد من الجمود. لكن في المغرب خرجت بقناعة مفادها أن الشباب المغربي لديه مكاسب من الحريات لن يفرط فيها. من وصل إلى هذا لن يفرط فيه ولن يتنازل، ولن يعطي عقله لغيره.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق