حوادث

الرميد يمطط الفترة الانتقالية بفرض الهيمنة

الهيني نائب الوكيل العام قال إن قوانين القضاة المعروضة على البرلمان تكرس منطق دولة “وزارة العدل

أجرت الحوار: كريمة مصلي

يرى محمد الهيني، نائب الوكيل العام لاستئنافية القنيطرة، أن هناك نية في تمطيط الفترة الانتقالية  بشأن السلطة القضائية، لتوسيع سلطات الوزارة في إشرافها على المحاكم وتحكمها في المصير المهني للقضاة،  وأضاف في حوار مع «الصباح»، أن وزارة العدل الحالية في عهد الرميد وجدت في خزانتها وحصيلتها قبل بدايتها 22 مشروع قانون وضعتها وزارة العدل في عهدي الراضي والناصري، ولم تأت  بأي مشروع قانون جديد، بل كل ما قامت به هو تنقيحها تبعا للمستجدات الدستورية وللحوار الوطني حول ميثاق إصلاح العدالة.

 كيف تقرؤون تعاطي الوزارة  وأغلبيتها البرلمانية مع مشاريع الإصلاح القضائي؟
 يتميز هذا التعاطي بالبطء الشديد ما ينم عن سياسة واضحة تروم تمديد وتمطيط الفترة الانتقالية لتوسيع يد الوزارة في إشرافها على المحاكم وتحكمها في المصير المهني للقضاة باعتبار أن وزير العدل هو من ينوب عن الملك في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، ما يخوله صلاحيات كبرى في تقزيم ضمانات الوضعية الفردية للقضاة وتعيين المسؤولين القضائيين وترقية القضاة، وهذا يتم في الكثير من الأحيان خارج ضمانات الكفاءة والاستحقاق، لدرجة أن المجلس الأعلى للقضاء يمكن أن نطلق عليه تسمية جديدة خلال كل هذه الحقبة «المجلس الأعلى لقضاء وزارة العدل «لانعدام ضمانة الحق في الطعن تقي القضاة من التعسف والشطط في استعمال السلطة .
وقد اعتبر نادي قضاة المغرب أن كل المحاكمات التأديبية للقضاة في هذه المرحلة الانتقالية غير دستورية لحرمان القضاة من ضمانة دستورية وفرها لهم دستور 2011 تتعلق بالحق في الطعن والتي تم انتهاكها بشكل مستمر رغم الدعوات بإيقاف هذه المحاكمات لحين تنزيل الدستور ،وهو الشيء الذي سبق احترامه من طرف وزير العدل السابق المرحوم الطيب الناصري لخلفيته الدستورية كقاض سابق بالمجلس الدستوري .

 في وقفة نفذتموها قبل أيام أكدتم عن رفض القضاة العبث في التشريع الحكومي المتسم برد الفعل، هل من تفسير لهذه النقطة؟ وأين يظهر هذا العبث؟
 نظم المئات من القضاة وقفة وطنية أمام محكمة النقض بالرباط للتنديد بالتراجعات الخطيرة التي عرفتها مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية المعروضة أمام البرلمان.
الاحتجاج الذي يأتي بناء على دعوة من الائتلاف المغربي للجمعيات المهنية القضائية، الذي اعتبر أن مشروعي القانون التنظيميين المذكورين «ردة وانتكاسة دستورية، من ناحية عدم وجود أي مقومات لسلطة قضائية حقيقية وفعلية مستقلة وكاملة لانعدام الاستقلال المؤسساتي والإداري والمالي للسلطة القضائية عن وزارة العدل وتبعية النيابة العامة لها وضعف الضمانات الفردية للقضاة وعلى رأسها إحداث مجلس الدولة «.
وحضر المئات من القضاة أغلبهم ينتمون لنادي قضاة المغرب من مختلف أنحاء المملكة وانتقد رئيس نادي القضاة في كلمته «المشروعين في صيغتهما الحالية، وعاب غياب مقاربة تشاركية حقيقية عند وضعهما، وعدم التجاوب مع مقترحات القضاة وهو ما أدى إلى مخالفة روح وجوهر الدستور والمساس بحق المواطن في سلطة قضائية مستقلة وبدور القضاء في حماية الحقوق والحريات وكفالة محاكمة عادلة تكرس دولة الحق والمؤسسات، باعتبار استقلال السلطة القضائية كلا لا يتجزأ».
ومن أبرز الانتقادات التي وجهها نادي القضاة لمشاريع القوانين التنظيمية مسها بحصانة القضاة ضد النقل من خلال شرعنة الانتدابات وتنقيل القضاة بسبب الترقية، وفتح منافذ جديدة للتأثير على استقلال القضاء عن طريق الإبقاء على إشراف السلطة الحكومية على التدبير المالي والإداري للمحاكم وتقييم أداء المسؤولين القضائيين فضلا عن ضعف الطابع التداولي لطريقة اشتغال المجلس الأعلى للسلطة القضائية وغموض الكثير من المقتضيات التي تتضمنها المشاريع الجديدة.  

 ما هي مسوغات رفضكم التام بقاء النيابة العامة تحت وصاية وزارة العدل والحريات؟
 الدستور واضح في مسألة استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والنيابة العامة هي جزءا لا يتجزأ من هذه السلطة-الفصل 107- ، فلا توجد في العالم سلطة قضائية تحت رحم السياسي وتحت رحم السلطة التنفيذية ، فإما أن تكون أو لا تكون ، والمؤيد الثاني أن إخراج وزير العدل من تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية كان إيذانا بنهاية وجوده في المشهد القضائي بعمومه وفي رئاسته للنيابة العامة بشكل خاص، أمام الاحتفاظ بعضوية الوكيل العام للملك بمحكمة النقض ممثلا للنيابة العامة ورئيسا لها بمنطق هذه الصفة، فلا يعقل أن يحضر المرؤوس ويغيب الرئيس إن قلنا بتخويل وزير العدل  رئاسة النيابة العامة، وهذا لا أساس له ولا فصل له في الدستور المغربي لسنة 2011 الذي قطع الشك باليقين في إزالة مظاهر التبعية السياسية وتجاذباتها الخطيرة على  استقلال قضاء النيابة العامة كجهاز قضائي  محايد يمثل المجتمع  .

  إذا كانت هناك استقلالية النيابة العامة، لمن ستتبع ومن سيراقبها؟
 هذا سؤال جيد، لكن طرحه من قبل البعض للتهرب من استقلال النيابة العامة مغلوط، فالسياسي كان يشرف على النيابة العامة منذ أكثر من خمسين سنة، ولم يسبق لأي وزير عدل أن تمت محاسبته سياسيا ، وبالنسبة إلى النيابة العامة، هناك آليات قانونية لمحاسبتها، لأول مرة في تاريخ المغرب، تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية تشمل عناصر من المجتمع المدني والحقوقي، وهو نوع من الرقابة المجتمعية للمجتمع المدني على القضاء، ونقترح أن يكون إلى جانب الوكيل العام مجلس للوكلاء العامين كما  في عدد من الدول، وإيجاد آليات للطعن في قرارات النيابة العامة بالحفظ، ونفكر كذلك في عدم اعتماد تعيين الوكيل العام وتجاوزه إلى الانتخاب ومن ثم التعيين من قبل الملك. فالمشرع نص على أن كل قاض تجاوز صلاحياته يمكن أن يكون موضوع متابعة جنائية، وهناك آليات جنائية وأخرى تنفيذية، وأخرى قانونية، وأكثر من ذلك، فقد سبق وطالبنا بإحداث مجلس دولة وهو عبارة عن محكمة نقض إدارية، والذي سيساهم في الرقابة على النيابة العامة ومحاسبتها إدارياً، أما فيما يخص المحاسبة البرلمانية، لا مجال لمحاسبة النيابة العامة برلمانياً لأنها هيأة قضائية، والهيأة القضائية لا تحاسب من طرف البرلمان، وليست هي فقط التي لا تجوز محاسبتها، فكيف يمكن عدم قبول محاسبة والي بنك والرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات… فقط القضاء الذي يمكن محاسبته لأنهم يعتبرونه ضعيفاً وأن القضاة غير راشدين، في الوقت الذي أثبتوا أكثر من مرة أنهم جديرون بالاستقلالية، والحراك القضائي أثبت فعاليته في التصدي لكل الانحرافات الماسة بأخلاقيات القضاء أو باستقلاله ، أو بجودة الأحكام القضائية في مواجهة تغول وزارة العدل.

غياب ثقافة الاحتجاج
نحترم رأي باقي الجمعيات المهنية المشكلة للائتلاف باعتذارها عن حضور الوقفة الوطنية أمام محكمة النقض، ولا يمكن أن يفسر ذلك إلا بغياب ثقافة الاحتجاج لديها، بالنظر لطبيعة تشكيلة أجهزتها المركزية المتكونة من المسؤولين القضائيين، لم يكن ممكنا تصور حضورهم لها، بحيث أنها اعتقدت عن غير صواب أن تصريح الوزير بتراجع الأغلبية عن تعديلاتها السلبية والمميتة للسلطة القضائية كافية للمطالبة بتأجيل الوقفة في غياب ضمانات حقيقية وفعلية لمراجعة شاملة لمشروعي القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة في اتجاه بناء حقيقي للسلطة القضائية.

وزارة العدل لم تأت بجديد
وزارة العدل الحالية في عهد الرميد وجدت في خزانتها وحصيلتها قبل بدايتها 22 مشروع قانون وضعتها وزارة العدل في عهدي الراضي والناصري، ولم تأت  بأي مشروع قانون جديد، بل كل ما قامت به هو تنقيحها تبعا للمستجدات الدستورية وللحوار الوطني حول ميثاق إصلاح العدالة، وذلك دون أن تعترف بمجهودات ومحصلات عمل من سبقها للوزارة ، فالأوراش مفتوحة حاليا بدون روح وفكر دستوري ومغرقة في التقليدانية، وتبتغي الحفاظ على الأوضاع كما هي دون أن تجري تغييرا جدريا ينسجم مع المرتكزات الدستورية الجديدة. ويمكن القول بشكل حاسم إن المشروعين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة المعروضين على البرلمان يعرفان انتكاسة دستورية غير مسبوقة،  تكرس منطق دولة «وزارة العدل « فلا وجود لسلطة قضائية ضمن مقتضياتها ،بحيث أنها تتعامل مع القضاء كإدارة والقاضي كموظف ،وتم تصوير المجلس الأعلى للسلطة القضائية كأنه السلطة القضائية ذاتها دون استقلال مادي ولا إداري ولا مؤسساتي .

في سطور
 عضو مؤسس بنادي قضاة المغرب
 عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة
 دكتور في الحقوق
 أستاذ زائر بكليات الحقوق
 نائب الوكيل العام باستئنافية القنيطرة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق