بانوراما

دم مغربي في الجولان3

في ضيافة مطعم رفعت الأسد

مرت أزيد من 42 سنة على مشاركة القوات المغربية في حرب الجولان في أكتوبر/ رمضان عام 1973 إلى جانب القوات السورية. ما يعاب عن هذه المشاركة هو شح المعلومات وتضاربها حول الظروف والمعارك التي خاضتها القوات المغربية ضد الجيش الإسرائيلي، اللهم النزر القليل منها، التي عجز بعضها عن عد عدد قبور الشهداء المغاربة بسوريا.
تسعى هذه السلسلة إلى محاولة إعادة كتابة تاريخ تلك المشاركة البطولية للمغاربة من وجهة نظر شاهد عيان، صحيح أنه كان جنديا بسيطا وقتها، لكن شهادته، أمام صمت الضباط، ورحيل العديد منهم إلى دار البقاء، تجعلها قيمة، فالجنود البسطاء هم حطب المعارك.

بعد رحلة لم تدم سوى ساعة، حطت بنا الطائرة بمطار دمشق، وكان ذلك 20 يوما قبل اندلاع الحرب. وقتها أدركنا أننا صرنا أحرارا في تصرفاتنا، ورفع طابع السرية في تحركاتنا. استقبلنا ضباط سوريون كبار بالمطار بترحاب كبير، وأحضروا لنا شاحنات عسكرية، نقلتنا إلى ثكنة بضواحي دمشق، وقتها شعرت وزملائي بالغربة. وجوه جديدة وأماكن غريبة، بل حتى مكان الشمس تغير بالنسبة إلينا، والأكثر من ذلك، أننا لا نعرف حتى اسم الأمكنة التي استقررنا فيها.
شعرنا بالجوع الشديد، وظللنا ننتظر إحضار وجبة الغداء. وبعد انتظار، أحضروا لنا أطباقا بها لبن وقطع من الخيار وقطعتان من الطماطم، وقطعة صغيرة من الخبز، وكأس من الشاي الأحمر.
أصبنا بالذهول أمام هذه الوجبة، تحول إلى غضب عارم واحتجاج.  اعتقد السوريون أنهم أكرموا ضيفهم أحسن الكرم، لدرجة أنهم كانوا يرحبون بنا وفرحين بتقديم هذه الوجبة، التي تعتبر راقية بالنسبة إليهم، لكننا قابلنا ترحيبهم بنوع من الغضب والتذمر والاحتجاج كنا نصرخ “هل نحن مرضى حتى تخصص لنا مثل هذه الوجبة”، ليصل الأمر إلى ضباطنا، الذين سارعوا لاحتواء هذا الغضب، إذ أكدوا للمسؤولين العسكريين السوريين أن الوجبة التي قدموها لنا مجرد “ديسير” وليس وجبة رئيسية، وأن المغاربة معروفون بتناول وجبات دسمة و”التغلاق”.
اعتذر الضباط السوريون عن الأمر، وأكدوا أن إعداد الوجبات سيوكل لعسكريين مغاربة لتفادي مثل هذا النوع من المشاكل مستقبلا. اعتقدنا أن الأمور سويت، وفي المساء أحضروا لنا وجبة العشاء، كانت تتكون من بيضة وكأس شاي وقطعة من الخبز، وشربة خضر. شعرنا بغضب شديد، لكن اتفقنا أن نكتم غضبنا إلى أن تسوى الأمور.
بعد يومين على وجودنا بسوريا، سمح لنا بالقيام بجولات بالعاصمة دمشق، لكن كان هناك مشكل عرقل هذه الجولة، وهو أننا لا نتوفر على المال. أسرع ضابط كلف بميزانية الفرقة المغربية باقتراض مبالغ مالية من السوريين إلى حين توصله بالمال من الحكومة المغربية، وزع علينا المال بالليرة السورية حسب رغبة كل منا. غادرنا الثكنة إلى دمشق على متن شاحنات عسكرية، وأمرنا أن نتجول جماعة. قمنا بجولة في ساحة الشهداء وسوق الحميدية، وصلينا بالمسجد الأموي.
استقبلنا سكان دمشق استقبال الأبطال. كانوا فرحين بنا لأننا قدمنا من أقصى الغرب لمساندتهم في هذه الحرب. في البداية اعتقدوا أننا نتكلم الفرنسية، وكانوا يترقبون حديثنا بلهفة كبيرة، ليتفاجؤوا بجمال لهجتنا المغربية، لكن المضحك أنه عندما يودون توديعنا، كانوا يقولون  “الله إعطيكم العافية” فكنا نغضب ونحتج.
في أحد الأيام، قررت أنا وزملائي، التوجه إلى مطعم رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد. مطعم لا يدخله إلا كبار القوم في سوريا والطبقات الراقية، رغم ذلك، لم نعر للأمر أهمية. جلسنا على المائدة. حضر النادل وطلبنا منه دجاجة لكل واحد منا. رفض النادل طلبنا، وأكد أنهم يقدمون دجاجة واحدة لأسرة يتجاوز عدد أفرادها خمسة، وأنه يكفينا ربع دجاجة لكل واحد منا. أجبناه نحن مغاربة ومتمسكون بأربع دجاجات كاملة، توجه النادل إلى مدير المطعم وأخبره بالأمر، فقدم المدير مرحبا، وفي الوقت نفسه، معتذرا أنه لا يمكنه تلبية طلبنا، واقترح دجاجتين حلا وسطا نقتسمهما نحن الأربعة، أجبناه، “نحن مغاربة مشهورون بأكل الطجين والكسكس والبغرير والدجاج”، وأننا متمسكون بطلبنا. ربط المدير اتصالا مع مسؤول سوري، الذي أمره بتلبية طلبنا، وهو ما نفذه في الحال.
سددنا ثمن الوجبة، والذي لم يتجاوز 10 دراهم مغربية لكل واحد منا، وغادرنا المطعم منتشين. كانت أول وجبة دسمة نأكلها على الأراضي السورية.
مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق