fbpx
بانوراما

عشرون سنة في ضيافة القذافي9

رحلة مغربي في متاهة الجاسوسية

عندما توجه محمد زكري بداية تسعينات القرن الماضي، وهو في نهاية العقد الثاني إلى ليبيا طلبا للعمل بعد أن أقفلت في وجهه أبواب الرزق في المغرب، لم يكن يعرف أنه سيقضي هناك عشرين سنة من حياته، مرت عليه فيها أحداث أغرب من الخيال، إذ كان شاهدا بالصدفة على حرب تجسس مستعرة بين البلد المضيف وبلده الأصلي، واكتشف أسرارا جديدة عن نفوذ بوليساريو في النظام الليبي السابق. محمد زكري، الذي بدأ رحلته الليبية بالدخول إلى متاهة الجاسوسية بتشابه أسماء كاد يودي بحياته، يروي لـ “الصباح ” تفاصيل عقدين قضاهما بين سجون القذافي وقصور أقرب مساعديه، أوصله حبه لبني جلدته إلى ترؤس جمعية مغاربة ليبيا، وأنهت مقامه هناك محاولة اغتيال، إثر قصف منزله بصاروخ، وفرار مأساوي إلى المغرب.

شرطة الانضباط

< هل كانت لك علاقات مع مغاربة ليبيا في ذلك الوقت؟
< كنت أحرص دائما على العيش بين المغاربة المقيمين في ليبيا، لكن الضرورة اقتضت أن أبتعد عنهم، حتى لا أسبب لهم مشاكل مع الجهات التي تريد حياتي، وكان ذلك في مصلحتي كذلك، لأن من شأن الإقامة معهم أن تسهل مأمورية مطاردي.
ورغم ذلك، فقد التقيت إبان مرحلة الهروب الأولى بامرأة مغربية بقيت حكايتها موشومة في ذاكرتي، كانت تكبرني سنا، وأظن أنها أقدم المقيمين المغاربة الذين عرفتهم، لذلك لم أستفد من خبرة أحد كما استفدت منها، فقد أخذت عنها الكثير من المعلومات المثيرة، ولعل ذلك ما جعل نهايتها تكون مأساوية.
في تلك المرحلة، كانت هذه السيدة الجميلة، تقيم في أحد أفخم فنادق المدينة الواقع بشارع جمال عبد الناصر، وعلى علاقة بمسؤول رفيع المستوى في الجيش الليبي، وهو العقيد أول نصر الدين، رئيس شرطة الآداب بمديرية أمن طرابلس.
سأكتشف من خلالها معاناة المئات من المغربيات والتونسيات العازبات مع هذا المسؤول، الذي كان يفرض عليهن وعلى بعض الأجنبيات إتاوات شهرية تتراوح بين مائة وخمسين دينارا وخمسمائة، للسماح لهن بالإقامة في فنادق المدينة، علما أنه لا يسمح للنساء العازبات ولا حتى المطلقات بالحصول على مسكن خاص، إلا إذا كان لهن أولاد.
أكثر من ذلك فقد كشفت لي ما هو أفظع، ذلك أن الأجنبيات المعتقلات من الفنادق لعدم دفع الإتاوات المذكورة، كن يسجن في جناح خاص بسجن «الجوديدة» النسائي، يفتح في وجه أفراد حرس الحدود الليبي وإرغامهن على مضاجعتهم.
< قلت إن نهاية هذه المغربية ستكون مأساوية، كيف ذلك ؟
< بعد ذلك الوقت بأكثر من عقد، أي قبيل الشرارات الأولى لثورة الليبيين ضد النظام السابق، سيتم العثور عليها ميتة، وما يعزز شكوكي في أن الأمر يتعلق بتصفية، أن الوفاة وقعت في أشهر فنادق العاصمة، ومع ذلك سجلت الجريمة ضد مجهول.
لم أصدق الرواية التي أعلنتها الدائرة الجنائية لطرابلس، لذلك حاولت أن أعرف حقيقة ما وقع بالبحث عن أقرب صديقاتها، ويتعلق الأمر بتونسية تدعى فريدة، لكني عندما وجدتها، كانت في مستشفى للأمراض العقلية، بذريعة أنها حزنت كثيرا على موت صديقتها المغربية، وهو ما لم أصدقه، لأن الوفاة لم يمر عليها أكثر من أربعة أسابيع، تغيرت فيها حالتها الصحية نحو الأسوأ بشكل مثير.
لم تكن تلك المعاناة تقتصر على الأجنبيات، ذلك أن الأجهزة الأمنية الليبية كانت تتعامل معنا بكثير من التمييز العنصري، والدليل على ذلك أن جرائم القتل التي يذهب ضحيتها أجانب كانت تسجل ضد مجهول، دون الكلام عن الاختطافات والمعتقلات الخاصة، لذلك سيعلن القذافي في رمضان سنة 1998 إطلاق مشروع شرطة الانضباط المتخصصة في مراقبة رجال الأمن.  
ياسين قطيب
          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى