fbpx
بانوراما

أوراق من وحي رمضان5

ركز الباحث حميد لشهب، السيكولوجي والباحث في الفلسفة، في أعماله على محاولة فهم الإسلام بطريقة مغايرة للتقليد الرجعي المحافظ وللأصولية المتطرفة، مقدما قراءات جديدة في إطار مشروع لم يكتمل بعد. ويهدف الدكتور لشهب، المقيم في النمسا، وعضو بالمجلس البلدي لمدينة فيلدكرخ، باسم حزب الخضر، من خلال دراساته السيكولوجية للإسلام، إلى الرقي بالدين إلى ماهيته الوجودية الجوهرية، كفلسفة حياة مؤسسة على الحب، بعيدة عن الفهم المتخلف للإسلام، الذي يختزل هذا الدين العظيم في الحرام والحلال. لشهب استجاب لطلب “الصباح” بالمساهمة بنصوص من وحي رمضان، تعتبر عصارة بعض أبحاثه في مقاربة القضايا الإسلامية من زوايا فلسفية وسيكولوجية.
إعداد: برحو بوزياني

الصوم طريق سيار للحب

د. حميد لشهب (النمسا)

تغنت كل ثقافات الأرض بالحب وقدسته ووضعت على رأسه تاجا ذهبيا وأحاطته بهالة قدسية وبوأته أحسن مكان على قمة الأحاسيس الإنسانية النبيلة وجعلت منه الداء والدواء للأرواح العطشى والقلوب الضمآنة. فقد شغل موضوع الحب البشرية، منذ وجودها ولا يزال يشغلها وسيشغلها ما دامت موجودة. سهر بسببه الشعراء وأيقظ مضجع الأدباء وأطرب المغنين وألهم المخرجين السينمائيين والمنشغلين بالمسرح والفن التشكيلي، بل تاه في دروبه الفقهاء والقساوسة والربانيون والفلاسفة إلخ.
هناك بعد وجودي عميق للحب في الإسلام، بقي في الظل لقرون طويلة وطغى التصور الغريزي في التراث السني الرجعي إلى يومنا هذا. عندما يُمَارَسُ الصوم بالطريقة الصحيحة، ويوصله إلى تأمل الذات وعلاقتها بالخالق دون أدنى مستوى للخوف، بل بتقوى وإيمان عميق بأن الله أكثر من العقاب والأجر، ينفتح أمامه بعد وجودي فسيح للإسلام. هدف الحب في الإسلام هو التوحد بالله. وتنعكس هذه الوحدة بطرق مختلفة في المخلوقات. والحب الحقيقي هو اكتشاف الوحدة في تعدد خاصيات الله. ويعتبر الحب في الإسلام الطريق والهدف في الوقت نفسه. إنه الطريق إلى السلم وهدفه هو الاتحاد.
وتجربة الاتحاد مع “الزوج أو الزوجة” هي مقدمة للاتحاد مع الله. إذا نجح الرجل والمرأة في حب بعضهما البعض حبا حقيقيا بالمواصفات سالفة الذكر، فإنهما يكونان مستعدان للطريق الذي يقودهما لهدف الحياة الإنسانية في هذا العالم من منظور قرآني، ألا وهو الاتحاد أو الوحدة مع الله.
الحب في الإسلام هو فعل إرادي، استعداد وقرار للارتماء في أحضانه، مرتبط بالصبر وبالتطور المستمر للفرد. يتطلب الحب العميق تطورا إيجابيا باستمرار، يميز بدقة بين الحب والسقوط في الحب. بمعنى أن المرور من الشعور والإحساس المتذبذب، لكن الإيجابي، تجاه شخص ما، إلى قرار حبه هو تطور يتطلبه الحب نفسه، لأن هدف الحب هو الحب من أجل الحب، أي من أجل التوحد بالآخر، وليس من أجل هدف فيزيقي أو مادي معين.
الحب في القرآن أكثر من شعور حسي، بل هو حالة نفس-وجودية. لا ينتظر المحب الحقيقي من موضوع حبه ( الله في الشخص الذي يحب يحبه) لا مكافأة ولا اعتراف ولا أي مقابل لا مادي ولا معنوي. وقد عبرت رابعة العدوية على ذلك بسمو عندما قالت في إحدى صلواتها: “يا إلاهي، إن كنت أعبدك خوفا من نارك، فاحرقني بها. وإن كنت أعبدك طمعا في جنتك، فاحرمني منها. لكن إذا كنت أعبدك لإرادتك، فلا تخفي عني جمالك المتجدد دوما”.
يتعلق الأمر في الإسلام بالحب الخالص، الذي يشترط الطريق الداخلي، طريق النقد الذاتي والعمل على تطوير الروح. ما يُكَون طريق المحب في القرآن هو هذا المشي المستمر على وفي الطريق وتجاوز الغرائز والمشاعر السلبية من أجل الانصهار في الوحدة.

قتل الحب

لإعادة الاعتبار للحب في الإسلام، من اللازم إعادة النظر الجدية والراديكالية في موروثنا الثقافي ووعي كون الحب قد “أُعْدِمَ” في هذه الثقافة، وخير دليل على ذلك قصة حب النبي لزينب بنت جحش، وهو حب ملك عليه نفسه، لكنه اصطدم بعقلية القبيلة وغابت إلى الأبد في ثقافتنا قصة رجل وامرأة جمع بينهما الحب، لنصبح كلنا يتامى في الحب الحقيقي ونعوضه بكل أنواع الحب التصعيدية الأخرى دون أن ننشف دمه ونحاول إشفائه.
كانت الخطيئة الأولى في الثقافة العربية هي خطيئة قتل الحب وها نحن نحمل كلنا آثار هذه الخطيئة ولا نحاول حتى إصلاحها، بل نعمق الجرح أكثر ونمشي فرادى وجماعات إلى أتون الحب الزائف والاستقرار في أدنى رتبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى