fbpx
بانوراما

طرائف العدول9

لغة خاصة

كثيرة هي الطرائف  المهنية التي تمر خلال العمل اليومي على عدد من العدول، تختلف باختلاف الزبناء وعقلياتهم، إذ أن منهم من يؤمن أن العدل في بعض الملفات هو المشرع وكل ما يقوم به هو من صنع يديه، والحديث عن القانون أو المشرع ليس إلا من صنيعه، ومن ثم تبدأ المشكلة.

الرسوم العدلية هي وثائق خاصة لا يمكن لأي كان أن يفهم مغزاها، أو ما تتضمن، خاصة تلك التي تكون موضوعة بخط اليد، فطريقة الكتابة تلك هي التي تعطيها نوعا من التفرد عن باقي الوثائق، بل إنها تتطلب جهدا مضاعفا لفهما حتى من قبل بعض القضاة والمحامين والخبراء.
 ذلك التفرد قد كون له تبعات معينة خاصة، في حال عدم معرفة فك الشفرة الخاصة كتابة ومعنى، فقد تنازع شخص حول أرٍض معينة أمام القضاء العقاري، وقدما الدلائل بشأن مساحتها في رسم عدلي، وبما أن للعدول لغة خاصة فقد كتب العدل محرر الرسم أن الأرض  مساحتها تقريبا تسع  أربعة هكتارات.  شكلت كلمة تسع بالنسبة للقاضي الذي كان ينظر في النازلة غموضا، فالمتقاضي يؤكد في مقاله أن الأرض مساحتها أربع هكتارات، بينما الرسم العقاري يفيد أن الأرض مساحتها تسع أربعة هكتارات، وأمام التناقض في المساحة وبما أن القاضي يحكم وفق المطلوب منه فإنه قرر رفض قبول الطلب، لأن القاضي لا يحكم إلا وفق المطلوب منه، ولا اجتهاد مع النص.
 انتظر المتقاضي إلى حين تحرير نسخة الحكم لأجل معرفة السبب والحيثيات التي أسس عليها القاضي حكمه، بالنظر إلى أن ملفه مستوف للشروط القانونية ويتضمن جميع الوثائق، والحكم بعدم القبول يفيد أن خطأ ما، وعليه تداركه، وحين الاطلاع على نسخة الحكم  وجد أن الأمر يتعلق بتضارب في المساحة المتنازع عليها بين المقال والرسم العدلي.
 عاود المتقاضي البحث في ذلك وتوجه نحو العدل الذي خطط الرسم وسأله عن المساحة المضمنة في الرسم فأجابه أنها أربعة هكتارات، لكنه أكد له أن الرسم يضم أكثر من ذلك، أخذ العدل الرسم وبدأ يقرأ في مضامينه وعندما وصل إلى المساحة قال “مساحتها تقريبا تَسعُ أربعة هكتارات”. لم يفهم المتقاضي المقصود منها وطلب منه مرافقته عند القاضي لشرح الأمر.
 وافق العدل على ذلك ولما قابل القاضي سأله عن مساحة الأرض المضمنة في الرسم فقال له أربعة هكتارات ولكن القاضي قاطعة وقال إن المضمن في الرسم أكثر من ذلك وأخذ يقرا فيها وقال القاضي” إن الأرض مساحتها تقريبا 9 و4 هكتارات”، فقاطعة العدل ليؤكد له أن الأرض مساحتها أربعة هكتارات وأن ما قرأه هو تسع ليس كذلك  والصحيح أن مساحتها تقريبا تَسَعُ أربعة هكتارات، فسأله عن معنى تسع تلك لأنه السعة لا تخص المساحة، فقال له أن الأمر يتعلق بمرادف تبلغ من المساحة، وأن تلك الكلمات تدخل في القاموس الخاص بالسادة العدول، الذي يميزهم عن غيرهم، في كتابة الرسوم العدلية، والتي تتطلب نوعا من الدقة في المعاني والمصطلحات، وهي دقة كادت أن تعصف بحق متقاض، لولا أنه انتبه لذلك. ورغم كل ما وقع بقي بعض القضاة ممن حضروا الواقعة يذكرونها في أحاديثهم كطريفة من الطرائف التي يصادفونها يوميا في عملهم.
كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى