fbpx
حوادث

الرقابة القضائية على قرارات المحافظ العقاري

المشرع لم يحدد الجهة القضائية المختصة للطعن في قراره بإلغاء مطلب التحفيظ   (الحلقة الأولى

بقلم: ذ. فكير عبد العتاق  *
بقلم: ذ. فكير عبد العتاق *
)

استهلالا لهذا البحث، لابد من الإشارة إلى أن موضوع الرقابة القضائية على قرارات المحافظ على الأملاك العقارية، كان دائما محل اهتمام وانشغال الباحثين من جهة، لأنه مجال خصب لتقاطع الفقه الإداري والعمل القضائي اتفاقا واختلافا، ومن جهة أخرى لأن القرارات المذكورة هي تمظهر واقعي وتجسيد مادي لتعامل مرفق عام وحساس، هو مرفق المحافظة العقارية مع مرتفقيه من المواطنين، وما يفرزه هذا التعامل من طعون تعرض على القضاء.

إذا كانت المنهجية المعتمدة في البحث، تقوم أساسا على عرض النصوص القانونية المتعلقة بالموضوع على ضوء التعديل والتتميم اللاحق بظهير التحفيظ العقاري، بمقتضى القانون رقم 07-14 والتعليق عليها تبعا للملاحظات المثارة، فإنه قد تم إغناؤه بمواقف الفقه وبالقرارات القضائية الحديثة الصادرة عن محكمة النقض في غرفتها الإدارية، وكل ذلك بهدف محاولة الإحاطة ما أمكن بتشعبات الموضوع، وعرض أهم الإشكاليات المطروحة بصدده، مع ضرورة الاعتراف هنا بأن حسم المشرع في الاختصاص النوعي لجهة قضائية معينة بالبت في قرارات محددة، رغم أن طبيعتها وخاصيتها هي أقرب إلى جهة قضائية أخرى، يجعل من الصعب إن لم أقل من المحظور إعمال معايير معينة لتجاوز هذا التحديد في ما يتعلق بالاختصاص النوعي بالنظر إلى اتصاله بقواعد النظام العام، وقد ارتأيت حصر الموضوع وتركيزه في قرارات المحافظ العقاري الأكثر شيوعا من زاوية الطعن فيها أمام القضاء، وهي القرارات التالية :
قرار رفض التحفيظ
إذا كان الفصل 30 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14، يعطي للمحافظ العقاري صلاحية تحفيظ العقار الذي كان موضوع مسطرة التحفيظ، بما يتخللها من إجراءات للتحديد والإشهار، وذلك بعد تحققه من إنجاز جميع الإجراءات المقررة في هذا القانون، ومن شرعية الطلب وكفاية الحجج المدلى بها ومن عدم وقوع أي تعرض، فإن الفصل 37 مكرر من القانون نفسه، يعطيه بالمقابل صلاحية رفض طلب التحفيظ شريطة تعليل قراره وتبليغه لطالب التحفيظ. وينص على أن القرار المتخذ بهذا الشأن يكون قابلا للطعن فيه أمام المحكمة الابتدائية التي تبت فيه مع الحق في الاستئناف، وعلى أن القرارات الاستئنافية قابلة للطعن بالنقض كما أن الفصل الموالي 38 من القانون نفسه، رتب على رفض مطلب التحفيظ لأي سبب كان وفي أي مرحلة من مراحل المسطرة اعتبار التحديد لاغيا، وحدد آثار هذا الرفض بالنسبة إلى طالب التحفيظ وباقي المعنيين بالأمر. ولعل أهم ما تضمنه الفصل 37 مكرر المذكور هو إلزامه للمحافظ بتعليل قراره القاضي برفض التحفيظ، فالتعليل شرط شكلي في القرار الإداري، يترتب عن عدم الإفصاح عنه كتابة في صلبه، اعتبار ذلك القرار غير مشروع – بصريح المادة الأولى من القانون رقم 01-03 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، فالتعليل يشكل ضمانا للأمن القانوني للفرد تجاه السلطة الإدارية ويمنح الفرد قناعة بأن الإدارة تتصرف في إطار الشرعية ويحد من السلطة العامة للإدارة ويجنبها إصدار قرارات تعسفية وتحكمية.
وإذا كان الاختصاص النوعي بالبت في قرار المحافظ العقاري، القاضي برفض التحفيظ محسوما لفائدة القضاء العادي بنص الفصل 37 مكرر فإن التمسك بعيب عدم التعليل عيبا شكليا مختلفا عن مسطرة طلب الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية خلال الدعوى، وطلب ترتيب جزاء الإخلال به يبقى متاحا أمام الطرف الطاعن حتى أمام المحاكم العادية المختصة ما دام المحافظ سلطة إدارية تسير مرفقا عاما وما دام القرار هو في أصله إداري منح استثناء الطعن فيه لجهة القضاء العادي. وقد قضت محكمة النقض في قرار حديث لها صدر تحت عدد 792 وتاريخ 12/06/2014 في الملف رقم 1544/4/1/2014– غير منشور «وذلك في إطار بتها كجهة استئنافية للأحكام الابتدائية الصادرة في الاختصاص النوعي».
«……..وعليه فإن ما اعتمده الحكم المستأنف من اعتبار رفض المحافظ تأسيس الرسم العقاري موضوع مطلب التحفيظ المودع من طرف الطاعن بمثابة امتناع عن تنفيذ الحكم القضائي المشار إليه أعلاه، مخالف للواقع، سيما أنه لا جدال بين الطرفين حول صحة واقعة قيام المحافظ فعلا بالتشطيب على التعرضات المحكوم بعدم صحتها بمقتضى القرار الاستئنافي المحتج به، لذلك كان ما قضى به تأسيسا على هذا الاستنتاج الخاطئ من اعتبار اختصاص البت في الطلب منعقدا للقضاء الإداري مجانبا للصواب، وخارقا للفصل 37 مكرر من قانون التحفيظ العقاري الذي أسند اختصاص البت في طلب إلغاء قرار المحافظ برفض تحفيظ عقار في هذه الحالة للمحاكم الابتدائية»، وهو ما أكده أيضا القرار عدد 570 الصادر بتاريخ 24/04/2014 في الملف الإداري رقم 853/4/1/2014-غير منشور.
– قرار إلغاء مطلب التحفيظ
  إذا كانت الجهة القضائية المختصة نوعيا بالبت في الطعن في قرار المحافظ العقاري القاضي برفض التحفيظ محددة قانونا، فإن ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14 لم يحدد الجهة القضائية المختصة بالنسبة إلى قرار المحافظ القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ، والذي يوقع بعض الباحثين في الخلط بينه وبين قرار رفض التحفيظ، وفي إطار التفرقة بين القرارين صدرت دورية عن المحافظ العام تحت عدد 383 بتاريخ 16/12/2010 . فالفصل 23 من ظهير التحفيظ العقاري ينص على أنه «دون المساس بأحكام الفصل 6 من هذا القانون إذا نص المحضر على تغيب طالب التحفيظ أو من ينوب عنه أو على عدم قيامه بما يلزم لإجراء عملية التحديد فمطلب التحفيظ يعتبر لاغيا وكأنه لم يكن إذا لم يدل بعذر مقبول داخل أجل شهر من تاريخ توصله بالإنذار. يعتبر مطلب التحفيظ كذلك لاغيا وكأن لم يكن إذا تعذر على المحافظ على الأملاك العقارية أو نائبه إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك».
وهكذا اعتبر بعض الفقه، أن الطعن في قرار المحافظ العقاري القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ يصبح الاختصاص النوعي بشأنه للمحاكم الإدارية على اعتبار أن المحافظ يعتبر سلطة إدارية، وإن كان يفصل في مصلحة خاصة وأن قراراته تبقى في الأصل خاضعة للولاية العامة للقضاء الإداري، إلا ما استثني بنص صريح يسند الاختصاص للقضاء العادي.
* رئيس غرفة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى