قروض خارج القانون زرعت الخراب في سوس تتحرك شبكات القروض السوداء في أولاد تايمة وتارودانت لتلتهم أحلام الفلاحين والتجار، فتتحول شوارع المدن من فضاءات للعيش والعمل، إلى ساحات صراع مالي خفي. المرابون خارج القانون يستغلون الحاجة واليأس، ويغرقون المقترضين في دوامة لا تنتهي من الديون والفوائد الخيالية، محولينهم من ضحايا يبحثون عن حل إلى رهائن لشبكات ابتزاز منظمة. في أولاد تايمة، تكشف الأزمة الفلاحية، وخاصة شح المياه والجفاف الذي ضرب المنطقة، هشاشة الفلاحين الذين يبحثون عن أي وسيلة لسد حاجياتهم ودفع ديونهم المتراكمة، وهنا يبرز المرابون خارج القانون ليقدموا قروضا سريعة مقابل شيكات وكمبيالات تبدو للوهلة الأولى حلا سهلا، لكنها سرعان ما تتحول إلى فخ لا مفر منه، فمن يسقط في قبضتهم يجد نفسه أمام سلسلة من الابتزاز اليومي أو الأسبوعي أو الشهري، مع زيادة الفوائد بشكل متسارع، وتعرض ممتلكاته للخطر، أحيانا وصولا إلى الحجز على أراضيه ومزارعه. تتوالى القصص الصادمة لتكشف الوجه المظلم لظاهرة القروض السوداء، فلاحون بسطاء وجدوا أنفسهم محاصرين بين الحاجة والعجز، يوقعون شيكات تفوق بأضعاف قيمة القرض الذي حصلوا عليه، فقط لشراء مهلة جديدة من الوقت، في لحظة ضعف، يسلمون أوراقهم البيضاء لمرابين لا يعرفون الرحمة، لتتحول تلك الشيكات لاحقا إلى سيوف مسلطة على رقابهم، بعضهم فقد أرضه التي ورثها عن أجداده، وآخرون خسروا منازلهم ومحلاتهم التجارية بعدما غرقوا في بحر من الديون. أما في تارودانت، فالمشهد أكثر قتامة، تجار معروفون وجدوا أنفسهم أمام أحكام قضائية قاسية بعد أن سقطوا في فخ شبكات منح قروض بفوائد فلكية، سرعان ما تحولت إلى كابوس قانوني ومالي. وتكشف ملفات المحكمة الابتدائية بتارودانت عن حقائق مرعبة، عشرات القضايا المترتبة عن جرائم النصب والاحتيال، وتقديم قروض بفوائد محرمة قانونا، وقبول شيكات على سبيل الضمان، في تجاوز سافر للقوانين المنظمة للمؤسسات الائتمانية. هؤلاء المرابون، الذين يقدمون أنفسهم منقذين، لا يتركون وراءهم سوى الخراب، يستغلون الحاجة، ويتقنون لعبة الترهيب، ومع كل ملف جديد يتراكم في رفوف المحاكم، يتضح أن الخطر لم يعد يهدد الأفراد فقط، بل يمتد ليقوض النظام المالي والقانوني للدولة، ويزرع الخوف في نفوس المواطنين، الذين صاروا يعيشون معاناة مزدوجة بين الفقر والتهديد بالسجن. ومن أبرز القضايا، تاجر معروف في تارودانت متابع على خلفية شكايات، تتعلق بقروض تجاوزت 400 مليون سنتيم، حيث الحجز على ممتلكات بعض الضحايا الذين عجزوا عن الأداء، وهو يدافع عن نفسه مؤكدا أن ما حصل عليه كان مجرد "ضمانات لحقه"، لكن الضحايا يرون في الأمر ابتزازا صارخا استغل فيه حاجتهم الماسة إلى المال، ومعاناتهم لأجل إثراء سريع وغير مشروع. إنها حلقة مفرغة تغذيها الحاجة واليأس، تنتشر حيث يوجد تجار وفلاحون يائسون بعد فشلهم في تسديد القروض البنكية، لتصبح "القروض السوداء" طريقا محفوفا بالمخاطر، ودوامة من الفوائد والتهديدات لا ينجو منها إلا من امتلك الوعي والقوة لمواجهتها. عبد الجليل شاهي (أكادير)