fbpx
حوادث

قراءة في المادة 12 من القانون المنظم لمهنة التوثيق

مشروع القانون تزامن مع تراجع هذا القطاع الحيوي وتدنيه   (بقلم: مبارك السباغي *1/3)

ما كان للظهير الشريف بمثابة قانون 4 / 6 / 1925 المنظم لمهنة التوثيق أن ينسخ بالقانون رقم 32 – 09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1 .11 . 179 في 25 ذي الحجة 1432  ( 22 / 11 / 2011 )، لولا الظروف الاستثنائية التي عاشها قطاع التوثيق والمتجلية في بداية هذا القرن والمتسمة بعدة انتقادات وتصريحات ومقالات تناشد بنسخ ظهير 1925 ذي نزعة وأبعاد فرنسية،   استفاد منها المعمر الفرنسي في غياب منظومة قانونية عصرية تتماشى ونوايا الحماية وأهدافها، متجنبة خبرة وكفاءة العدول الذين لا يتكلمون الفرنسية  ولا تجربة لهم في مجال المعاملات التجارية والعقارية بمفهوم التحفيظ العقاري والحقوق العينية وغيرها.

فعلا ضغطت الأحزاب والهيآت والمنظمات والجهاة المعنية بالتوثيق من موثقين أنفسهم ومن رجال قانون وباحثين ومجتمع مدني، بعد تدني مهنة التوثيق التي في ظرف وجيز، عرفت عدة متابعات واعتقالات وعزل، ما دفع الحكومة إلى التفكير في بديل لظهير 1925 يتفادى كل العراقيل والحالات المتنافية مع ظروف حياة مغرب اليوم وما عرفه من تحول ملموس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
مضامين ومقتضيات قانون التوثيق واكب في الوقت نفسه مستجدات تنظيم المهن القانونية والقضائية التي عرفت في عشر سنين الماضية تعديلات وتغييرات ساهمت في أن يلتحق قانون مهنة التوثيق بالركب الذي ركبته كل المهن المذكورة، حيث أصبح قانونا مغربيا تتوفر فيه كل مقومات السيادة الوطنية والهوية المغربية بجميع أطيافها، مشابها شيئا ما القواعد المضمنة في القانون رقم 16 – 03 المتعلق بخطة العدالة.
مع الأسف الشديد، تزامن مشروع هذا القانون مع تراجع هذا القطاع الحيوي وتدنيه، فما كان على المشرع إلا أن ينزل بكل ثقله لسن قانون جديد  يتسم بالردع والعقوبة والمنع وكأنه قانون جنائي توثيقي. لقد جاء بصيغة النفي والتخويف وكأن من يرغب الولوج لمهنة التوثيق، لا قدرة له في تحمل المسؤولية ولا يمكنه أن ينجو من المساءلة رغم اجتهاده وما لديه من مستوى ثقافي وعلمي وعملي.
حقاً في خضم تلك الأجواء القاتمة، لن تكون للمشرع اختيارات أخرى سوى هذه الطريقة علها ترجع الروح لهذا القطاع، وتحميه من الانزلاق أكثر، خوفا من أن تفقد الثقة والمصداقية، ويغيب الأمن التعاقدي الذي يحمي الحقوق والأشخاص.
 2 – غياب المنهجية والانسجام بين الموثقين
فبالرجوع إلى قانون 32 -09، وكحل أنجع لعدم الانضباط ولظاهرة الاختلاف السائد بين الموثقين في عملهم اليومي، ارتأى المشرع ضمن رزمة من المقتضيات، أهمها إحداث لجنة مكلفة بإبداء الرأي في تعيين الموثقين ونقلهم وإعفائهم وإعادة تعيينهم والبت في المتابعات وإنشاء مجلس وطني للموثقين ومجالس جهوية، وتفعيل دور صندوق ضمان الموثقين والتأمين وغيرها، وتقنين تلقي تصريحات الأطراف وتوقيعاتهم على العقود وذلك بمنع الموثق توقيع الوثائق خارج ديوانه.
وفي هذا السياق، أقف بالخصوص على مضامين هذه المادة 12 من القانون 32 – 09 التي جاء فيها»:
« يمارس الموثق مهامه بمجموع التراب الوطني. غير أنه يمنع عليه تلقي العقود وتوقيع الأطراف خارج مكتبه. يمكن للموثق لأسباب استثنائية تلقي تصريحات أطراف العقد والتوقيع على العقود خارج مكتبه، وذلك بإذن من رئيس المجلس الجهوي، وإخبار الوكيل العام للملك لدى المحكمة المعين بدائرتها.»
   حقا حسب المادة الأولى، مهنة التوثيق مهنة حرة تمارس وفق الشروط وحسب الاختصاصات المقررة في قانون مدونة التوثيق وفي النصوص الخاصة، لكن ليس بمفهوم الحرية الصرفة والاستقلالية المطلقة، لأن الموثق حسب المادة  35 من القانون نفسه يبقى تحت رقابة الدولة، بحكم العقود التي يفرض القانون إعطاءها الصبغة الرسمية المرتبطة بأعمال السلطة العمومية، أو التي يرغب الأطراف في إضفاء هذا الطابع عليها. وبصفته هاته وحسب المادة الثانية من القانون نفسه، على الموثق أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الأمانة والنزاهة والتجرد والشرف وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة.
   نحن الموثقون، وإن لم يشر المشرع إلى أننا من مساعدي القضاء، فإن التكييف العملي لموقعنا من القضاء، يجعلنا ضمنيا مساعدي القضاء المغربي، لأن طبيعة مهامنا هي في الأصل منذ قرون خلت، مهام قضائية تخفف العبء على القضاة وتقلل من المنازعات نتيجة رسمية المحررات وما لها من قوة إلزامية، وما للموثق من رصيد علمي ومهني.
وبالرجوع إلى موضوعنا المخصص للمادة 12 من قانون مدونة التوثيق، نجد المشرع حدد المجال الترابي الذي يمارس فيه الموثق مهامه، أي بمجموع التراب الوطني متجاوزا بذلك حدود دائرة محكمة الاستئناف التي يعمل داخل نفوذها. بمعنى آخر، له الحق في تلقي العقود والاتفاقات على الصعيد الوطني ، متى حضرت لديه الأطراف بديوانه، أنى كانت إقامتهم وسكناهم، ومهما كان  نوع المعاملة. فعبر كل الأزمنة، ما طرح إشكال في هذا الباب حسب ما توصلنا إليه من معلومات.
  لا توجد  في ظهير 1925 الذي تم نسخه، إمكانية تلقي الأشخاص والعقود خارج الديوان، من طرف الموثق، لأن المشكل كان غير مطروح، وكان القانون يطبق بحذافيره. اليوم وقبل تنزيل القانون الجديد، كانت المسودات تغادر الدواوين وتحل بجهات أخرى بحثا عن التوقيع، إما بحضور الموثق أو في غيابه تماماً. وهذا تصرف غير قانوني يعرض الموثق المتهور إلى ما لا تحمد عقباه. بل أخطر من هذا كله، كانت تفتح مكاتب فرعية لبعض الموثقين حتى خارج دائرة نفوذ محكمة الاستئناف. فعلا لا يمكن أن نصف هذه التصرفات إلا بأنها تشين لمهنة التوثيق  وتساهم في التفرقة والمنافسة غير الشريفة، وعدم تكافؤ الفرص.
3 – إشكالية رسمية العقود والإذن المسلم من طرف رئيس المجلس الجهوي للموثقين  
لهذه الأسباب وعلى صعيد المادة 12، وجد المشرع حلا وسطا، بإجازة الخروج عن الديوان والعمل خارجه استثناء وفي وقت وجيز من أجل تلقي وسماع الأطراف والوقوف على التوقيعات، داخل المقرات المعنية أصحابها بالتوقيع. هل أفلح المشرع في مبادرته ؟ هل هذا هو المقصود من التوثيق ؟ هل نجح في تصوراته أم جعل من التوثيق ما لا يليق بالمهنة؟.
    إن الحصول على إذن مسلم من طرف رئيس المجلس الجهوي للموثقين بطلب من الموثق، لن يزيد إلا في زعزعة المحرر الرسمي والمساهمة في نمو ظاهرة خطيرة لا تليق بقدسية مهنة التوثيق لسببين :
 أولا: لا مشروعية في تلقي الإجراءات خارج ديوان الموثق، ولا مبرر لها، بل أكثر من هذا أعتبر شخصيا، الفقرة الأخيرة من المادة الثانية عشرة غير دستورية لأنها تتنافى وقانون التوثيق بصفة عامة، وما للمحرر الرسمي من أهمية، خصوصيات بصفة خاصة، وما للموثق من مرجعية قانونية متميزة ومحصنة لا تسمح له إطلاقا العمل خارج مكتبه، مهما كانت الأسباب والدواعي، شأنه في ذلك شأن القاضي الجالس.
  ثانيا: المشكل ليس في التنقل شخصيا، أو بواسطة مساعدي الموثق، بل الإشكال المطروح والخطير هو المتعلق بالعقد، أو الوثيقة بالمفهوم المعروف والمتداول، لأن هذا العقد، أو الوثيقة ليس كباقي العقود، بل يحظى بالتميز والتمييز والتقدير والمسؤولية، لأنه محرر رسمي، وما في الكلمة من حمولة قانونية ومسؤولية جسيمة، باعتبار المادة 48 من مدونة التوثيق، والفصول 418 و419 و420 و421 و422 و423 من قانون الالتزامات والعقود.

بقلم: مبارك السباغي *
* موثق بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق