fbpx
ملف الصباح

“سوق السنغال”… دجاجة تبيض ذهبا

 

المقاربة العمومية أثبتت فشلها حين هجر “الفراشة” محلات السوق النموذجي

ينتصب على مشارف المدينة العتيقة في الدار البيضاء سوق نموذجي يدعى «سوق السنغال»، دشن قبل أزيد من عشر سنوات لمعالجة ظاهرة «الفراشة»،

بعد أن عششت طويلا في ساحة «الباب الكبير» بباب مراكش، وفرخت «تجارا» بسطاء تعودوا المقامرة على الربح السريع والدوران في حلقة الكسب القليل. لم يتمكنوا يوما من مهارات التسويق أو الترويج، أو حتى الحسبة وتقنيات رفع رأس المال. كان همهم الوحيد تغطية الكلفة والظفر بعد ذلك، بما تبقى من دراهم معدودات ربحا صافيا.  تفتقت عبقرية السلطات، إلى حل مشكل «الفراشة» وتعاظم عدد الباعة المتجولين في المكان، وما نتج عنه من إضرار بمصالح التجار من أرباب المحلات، عبر بناء سوق نموذجي يجمعهم ويؤطر تجارتهم، إلا أن هذا الحل «النموذجي» أثبت فشله بعد فترة بسيطة، إذ دخل «التجار» المستفيدون هذا السوق وغادروه بعد فترة وجيزة، بعد عجزهم عن إدارة تجارة منظمة والترويج لسلعهم بطريقة مناسبة، الأمر الذي فتح المجال أمام بدلاء جدد، بطبيعة الحال ليسوا مغاربة، تجار أفارقة ينتمون إلى دول جنوب الصحراء، وجدوا في هذا السوق محطة ازدهار وليس قنطرة عبور إلى الفردوس الأوربي، كما تعتقد غالبية القادمين منهم إلى المغرب، ومن هنا اكتسب السوق تسميته، فالأفارقة السمر كلهم «ساليغان» أو سنغاليون بالنسبة إلى المغاربة. في البيضاء والكل في البيضاء، يعرف أن حاضر السوق ملتقى للجالية الإفريقية في المغرب وفضاؤهم المفضل للتسوق، وماضيه يشير إلى كارثة تدبيرية لظاهرة يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حين عهد إلى شركة خاصة بمشروع تحويل مرآب إلى سوق نموذجي موجه لفائدة 192 مستفيدا، استوفوا الشروط المحددة من قبل السلطات نظير مقابل مادي في حدود خمسة آلاف و500 درهم للمستفيد عن تشييده وتجهيز المحل التجاري، لكن عدد المحلات التجارية فاق الحاجة ليغطي الربح التجاري، إذ تم بناء 28 محلا إضافيا.  بداية القصة يرويها، أحمد، أحد التجار القلائل الذين ما زالوا متمسكين بمحلاتهم في «سوق السنغال»، بنبرة غضب وسخط، «الباعة المغاربة لم يستطيعوا التأقلم مع محل ثابت، بحكم تغيير نوعية بضاعتهم ومكان تسويقها كل يوم». هذا التصريح يظهر غياب التأطير من قبل السلطات المشرفة على المشروع، ومواكبة الباعة المتجولين خلال مرحلة توطينهم بالسوق، وكذا عدم مراعاة خصوصية تجارة «الفراشة»، الأمر الذي أدى في النهاية إلى هجرة شبه جماعية لمحلات السوق من قبل الباعة المتجولين، الذين فضلوا كراءها مقابل مبلغ مالي يتراوح بين ألفين و500 درهم أو ثلاثة آلاف شهريا، أو بيعها في أحسن الأحوال بعد ذلك لقاء مقابل مادي وصل حتى 250 ألف درهم. السوق الذي لم يستطع «التجار» المغاربة التأقلم معه، أصبح منجم ذهب لدى المهاجرين الأفارقة الذين أحسنوا استغلاله. يقول كمارا، الشاب المالي الذي يعمل بائعا لدى السنغالي مكتري المحل السنغالي، بلهجة مغربية دارجة مضحكة، «البيع والشرا مزيان الحمد لله»، في جوابه حول الرواج في السوق، الذي أصبح قبلة الجالية الإفريقية الموجودة في العاصمة الاقتصادية، إذ تعرض هذه المحلات مجموعة من الملابس والحلي، والمأكولات الإفريقية الشعبية مثل «السمك المقدد»، ناهيك عن خدمات الحلاقة والتجميل. لا دراسة جدوى ولا مواكبة ولا تتبع، والنتيجة عودة إلى أصل المشكل. هذه حصيلة تجربة السلطة في معالجة مشكل «الفراشة» عبر أسواق نموذجية. التجربة أثبتت فشلها وكرست لمقاربة غير سليمة تناسلت في مجموعة من المدن وأدت إلى النتيجة نفسها، رغم اختلاف نوعية الممارسات.

 

بدر الدين عتيقي        .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى