fbpx
حوادث

مطلب مجلس الدولة أمانة بين يدي البرلمان

إحداثه ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لنيل الحقوق ودعم دولة المؤسسات

بقلـم : محمد الهيني *
بقلـم : محمد الهيني *

تتجه أنظار الحقوقيين ، سيما المهتمين بالقضاء الإداري إلى قبة البرلمان حيث توجد السلطة التشريعية لاختبار وقياس آلام المواطنين وآمالهم، ومعاناتهم ومطالبهم بإحداث مجلس الدولة بدعم وجود قضاء إداري كفؤ وقوي ومستقل عن القضاء العادي، فهل سينجح البرلمان في اختباره ويوفق في اختياره؟. استقلال السلطة التشريعية وامتلاكها سيادة أمرها وقراراتها لا مراء فيهما، لكنها ليست استقلالية عن المجتمع وعن مبدأ المقاربة الدستورية التشاركية والتفاعلية مع المجتمع المدني والحقوقي والجمعيات المهنية القضائية، فالصفة التمثيلية تقتضي الإنصات والحوار والتشارك وليس القطيعة والتجهيل والغرور بالسلطة، ومجرد الرغبة في التنازع والخصام مع باقي السلط، تحت مبرر إقامة أو الدفاع عن «دولة» مؤسسة دون أخرى، نحن نعيش في فضاء واحد ونهدف جميعا لتحقيق تطلعات المواطنين وهدفهم في إقامة سلطة قضائية مستقلة منفتحة ومتوازنة.

تفعيلا  للفصل 114 من الدستور وتنزيلا لما أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في نص الكلمة السامية التي ألقاها جلالته أثناء افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15 دجنبر 1999 بشأن « إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط، وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين»، فإن التفكير  الحقوقي الجمعي أضحى متجها نحو المطالبة الملحة بإحداث مجلس للدولة بقصد استكمال الهياكل المؤسساتية لقضاء إداري فعال، وذلك في اتجاه بلورة تصور شامل لمؤسسة قضائية عليا قادرة على تشكيل لبنة أخرى في مسار بناء دولة الحق القائمة على احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون  ورفع الشطط بحق المواطنين على نحو يصون الحقوق ويحمي الحريات.
ذلك أن إحداث مؤسسة مجلس الدولة من شأنه أن يسهم لا محالة في استكمال مسلسل إرساء قواعد الشرعية القانونية التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحداثية من خلال ما ستكرسه من قواعد قضائية في قراراتها درجة نقض.
إن معظم التغيرات الحاصلة في المنظومة الدستورية مست عمل القضاء الإداري على مستوى:
-تغيير في ماهية الوظيفة القضائية.
-إقرار الحق في الولوج للقضاء.
-إقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية.
-حظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري والقضائي
-حظر المس أو الاعتداء على اختصاص القضاء الإداري.
إن القضاء الإداري خيار إستراتيجي دستوري لا محيد عنه في مواصلة بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، بتنصيص الدستور صراحة على القضاء الإداري في الفصلين 114و 118 منه،وحماية مجال اختصاص هذا القضاء.
ومن المهم الإشارة إلى أن ميثاق إصلاح القضاء كان مخيبا للآمال في هذا الجانب «نظام وحدة القضاء»، ما طرح التساؤل عن سبب التحفظ على القضاء الإداري؟ هل يرجع لتكوين الهيأة، أو لعدم تخصيص ندوات للقضاء الإداري، أم يتعلق الأمر بمعاقبة القضاء الإداري عن جرأته؟ أو عدم الرغبة في ألا يكون للقضاء رأسان، أم جهل بفلسفة القضاء الإداري؟ ولماذا لم يتم تفعيل الخطاب الملكي لأكثر من 15 سنة ؟، هل طول هذه المدة لم ينضج الظروف بعد رغم الطفرة النوعية والاجتهادات القيمة للقضاء الإداري؟ فضلا عن أنه لا يعقل بعد أكثر من 20 سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث مجلس الدولة لأكثر من هذا الوقت، رغم أنه خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيورين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه، والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي، ولمطالب الجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية ومطالبات القضاة الإداريين والجمعيات القضائية وأخيرا مطلب المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ولا شك أن بناء صرح قضاء إداري فعال ومتخصص في البت في المنازعات الإدارية متوقف على إحداث «مجلس الدولة «أو محكمة إدارية عليا قائمة بذاتها ستعلو الهرم القضاء الإداري، لتحقق ازدواجية كاملة للقضاء، تسهر على مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا وتوحيد الاجتهاد القضائي، وبالتالي الإسهام في ضمان الأمن القضائي وكفالة حماية فعالة لحقوق وحريات المواطنين.
أولا :إحداث مجلس الدولة وتطوير العمل القضائي الإداري
إن إحداث مجلس الدولة محكمة نقض إدارية عليا سيساهم في تطوير العمل القضائي من خلال المرتكزات التالية:
  –   تفعيل عملية الرقابة بشأن الطعون المقدمة ضد المراسيم والقرارات التنظيمية.   
-تدعيم دور قضاء الموضوع الإداري في ابتكار وخلق جل قواعد القانون العام.
-ضمان رقابة قضائية قوية وفعالة على عمل الإدارة بغرض ضمان حكامة جيدة للمرافق العمومية.
-صيانة قواعد المحاكمة العادلة.
-تدعيم الفكر الحقوقي للقاضي الإداري.
ثانيا : لماذا مجلس الدولة؟
إن المطالبة بإحداث مجلس الدولة ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لاقتضاء الحقوق، ودعم دولة المؤسسات وصيانة المشروعية والمساواة أمام القانون ورفع الشطط في استعمال السلطة، لذلك فإن تدعيم دوره وتقويته مؤسسة دستورية تنتظر التفعيل الدستوري يتطلب :
– ملاءمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد.
-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس  ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها، المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة، فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملاءمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في الوقت نفسه وبث الطمأنينة والأمان على مصائرهم .
  – تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
– ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
– مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.
– خلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائيين، وتوطيد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا.
– دعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه.
-مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات.
-مسايرة التجارب المقارنة الإدارية التي تأخذ بمجلس الدولة .
ثالثا: التحديات القانونية للتنظيم والاختصاص.
إن إحداث مجلس الدولة يفرض تحديات قانونية تتطلب معالجة مسألة الملاءمة مع القوانين الحالية السارية النفاذ بما يكفل ولادة طبيعية دون أدنى مشاكل عضوية أو بنيوية من قبيل تبيئة الظروف لإنجاح التجربة المستقبلية لإنجاح المؤسسة، لهذا يدخل ضمن مقومات المواءمة:
– وجوب الحفاظ على مبدأ وحدة النظام الأساسي للقضاة.
– تشكيل مجلس الدولة يمكن أن يأخذ الآليات المحددة نفسها لتشكيل محكمة النقض بمعنى أن يترأسه رئيس أول وأن يتم تقسيمه إلى عدة غرف يمكن تقسيمها بدورها إلى عدة أقسام.
– الاحتفاظ بخصوصية القضاء الإداري من حيث وجود مفوضين ملكيين للدفاع عن القانون والحق بدل النيابة العامة.
– تحتفظ مؤسسة المفوض الملكي بالصلاحيات نفسيها التي تمارسها أمام المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية.
– في ما يتعلق بالاختصاص، تنقل إلى المجلس الاختصاصات نفسها المخولة للغرفة الإدارية بمحكمة النقض .
– يمكن منح الرئيس الأول لمجلس الدولة المساعدة القضائية طبقا لمرسوم 1966.
  – خريطة قضائية يشوبها عدم التوازن من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها،تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب.
-إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإداري  يتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية ، ويتدارك الاختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.
-تنظيم الفحص المسبق للنظر في قبول الطعن «ذا كان هذا الطعن غير مقبول أو لا يستند على سبب جدي».
-إشكالية تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية.“إشكالية التعارض بينها وبين الأمانة العامة للحكومة؟».
 -تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.
-إحداث مؤسسة المفوض الملكي  وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا.
-إحداث غرفة  التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .
بقلـم : محمد الهيني *
* نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة
عضو بنادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى