حوادث

تأديب القضاة مجددا… قول في قضية قنديل

ما قام به قاضي العيون أقنعنا أن الإصلاح والتخليق مجرد شعار إشهاري ودعائي

بقلـم : نبيل محمد بوحميدي
بقلـم : نبيل محمد بوحميدي

خلال أواسط السنة الماضية، أثير نقاش محتدم حول مسألة إحالة القضاة على التأديب بعلة الإخلال بواجب التحفظ، وبواجب الحفاظ على صفات الكرامة والوقار،
 وكان ذلك نتيجة إحالة العديد من القضاة على المجلس الأعلى للقضاء.

أثير النقاش بعد أن تمت إحالة القاضي محمد الهيني على المجلس الأعلى للقضاء، هو المعروف بنشاطه الحقوقي والعلمي على مستويات عدة، بعد تكريسه لقضاء إداري خلاق استحسنه العديد من المواطنين والحقوقيين، رغم أن ما قيل عنه أنه خرق لواجب التحفظ كان مجرد خاطرة ترسم خارطة طريق نزيه لتعيين مسؤول على رأس إحدى مديريات وزارة العدل والحريات.
كما تمت إحالة رشيد العبدلاوي على المجلس ذاته لنشره صورة لوضعية معروفة لدى المهتمين والمتعاملين مع قطاع العدالة، وقد تمت الإحالة بعد أن نسب له أيضا الإخلال بواجب التحفظ وبصفة الوقار والمس بسمعة القضاء.
وقد كان النقاش منصبا حول مدى صواب وحكامة الإحالة على المجلس الأعلى للقضاء، نتيجة وقائع لا تتعلق بالفساد أو بالمس بسمعة القضاء، واليوم يتجدد النقاش نتيجة ظهور قضية مماثلة لهذه القضايا المذكورة، إنها قضية من يمكن أن نسميه بقنديل القضاة في زمن عتمة ما ستؤول إليه محاولة إصلاح قطاع العدالة برمته.
فقضية القاضي محمد قنديل مطروحة بعد مرور أزيد من ثلاث سنوات على دستور 2011، وفي ظل مناقشات برلمانية للقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية.
فأمام هذا الوضع، خاصة أن ما قام به قنديل كان يقينا بدافع شعوره بالاستهتار بقضيته عندما كانت تروج بين المعنيين بها ولم تخرج بعد للعلن، يقينا كان ذلك نتيجة إحساسه وتيقنه من غياب الرغبة في مواجهة الفساد والتحكم، وانتشار فكر التعليمات.
إذا، هل في مثل هذه القضايا يكون من باب حكامة تسيير المرفق القضائي، تفعيل مسطرة تأديب القضاة وفق مقتضيات قانونية تجاوزها الدستور، وكنا معتقدين عن خطأ أنه تم تجاوزها حتى من قبل القائمين على قطاع العدالة؟
من جديد، يجب أن نذكر السلطة الحكومية المكلفة بالعدل أن ما قام به قنديل، هو تصرف كاشف فقط وليس منشئا ما دام أن جميع المتقاضين والمتعاملين مع مرفق العدالة يعلمون الوضع المعنوي والمادي للمحاكم، ما يكون معه أي وصف لهذا الوضع من قبل أي مواطن كيفما كانت مهنته أو وظيفته أو مهامه، هو أمر لا يدخل في زمرة المس بالسلطة القضائية أو المس بواجب الكرامة والوقار، وإلا أصبحنا في وضع لا يختلف نهائيا عن الأوضاع السابقة، التي يهدف الدستور تجاوزها وتطوير أداء المغرب بجميع مكوناته، في ظل وضع دولي يفرض على الدولة تطوير ممارساتها الإيجابية وتغيير ممارساتها السلبية، وضعية تستعمل فيها العبارات الفضفاضة والمفاهيم القابلة للقراءات المؤدية إلى خلق أزمات مفصلية تعكر صفو التغيير والتحديث.
 يجب التذكير من جديد، أن تفعيل مسطرة التأديب ضد قنديل نتيجة ما اعتبرته وزارة العدل والحريات إخلالا بواجب الحفاظ على صفات الكرامة والوقار، هو أمر لا يمكن تقبله من زاوية الالتزامات الأخلاقية، مادام لم يتم تحريك أي مسطرة في مواجهة ما تضمنه الشريط الصوتي الذي عممه القاضي قنديل.  
الأكثر من ذلك، هل يمكن اعتبار الإتراف بما يقع من خروقات داخل المحاكم، إخلالا بواجب الحفاظ على صفات الكرامة والوقار؟ فمتى كان التستر على مثل هذه الخروقات من قبيل صفات الوقار والكرامة التي يجب أن يتحلى بها القاضي.
  متفقون أن هناك قوانين سارية المفعول تؤطر المتابعات التأديبية للقضاة، إلا أنه يجب التذكير مجددا أنه كان من المنتظر من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، التي جاءت نتيجة رفعها لشعار التخليق، تعطيل العمل بالمقتضيات القانونية الحالية والإسراع في بلورة قوانين بديلة مسايرة للدستور، ولما آل إليه الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، ولما آلت إليه أيضا رغبات المجتمع المغربي.
ربما يحق لنا الآن بعد ما قام به القاضي قنديل أن نقتنع بأن شعار الإصلاح والتخليق مجرد شعار إشهاري ودعائي، فبالفعل هو كذلك، ما دمنا نشهد متابعة قاض مارس حق التعبير على ما يتعرض له من مضايقات أثناء تأدية عمله، في ظل دستور ينص على أنه « للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.
«يمكن للقضاة الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون.
يُمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية».
فهذا الفصل يعتبر إحدى تجليات اختيار، لا رجوع فيه لبناء دولة الحق والقانون، المرتكزة على سيادة القانون، وإيجاد مؤسسات حديثة تؤمن بالمقاربة التشاركية والحكامة الجيدة وتمتيع المواطنين بالأمن القانوني والقضائي باستحضار التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.
إن الظروف والمعطيات التي أدت إلى إيجاد دستور بهذا المستوى، تفرض أيضا ضرورة احترام هذه القيم الدستورية التي لا يحق لأي أحد كيفما كانت طبيعته أن يتجاهلها، أو أن يتصرف بشكل يمس بمرتكزاتها.
إنها ذاتها الظروف التي أدت إلى قيادة الحكومة من قبل حزب سبق له في ما قبل هذه الفترة أن شدد على ضرورة احترام الدولة للحقوق والحريات، فكيف يمكن أن نقتنع بأنها محقة في تصرفات سلطتها المكلفة بالعدل والحريات مادامت هذه التصرفات تنم عن فشلها في تدبير قطاع العدالة، ولم تكن لها الجرأة في الاعتراف بذلك.
إن قضية قنديل تستحق التضامن واعتبارها قضية حقوقية مجتمعية، تحمل في طياتها تأكيدا على رداءة التدبير السياسي لقطاع العدالة، فقد أبان قنديل بجرأة غير معهودة، أننا في زمن أزمة القضاء وأن القائم على السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ليس في مستوى الأزمة.
   فقضية القاضي قنديل ليست قضية القضاة فقط، بل هي قضية الناشطين في سبيل تحقيق الوقار والكرامة للسلطة القضائية، قضية مجتمع يرغب في إصلاح حقيقي عبر تنزيل سليم للدستور، وكما هو الشأن بالنسبة للقضايا المشار إليها في البداية، فإن القضية الحالية قضية أي حقوقي لا يؤمن بالحياد في أوقات المعارك الحقوقية، ونذكر مجددا أنه وللأسف، هذا ما كنا نحبه في القائم على تصريف مهام السلطة المكلفة بالعدل، فقد كنا ننبهر جراء مواقفه الحقوقية وتموقعاته الإنسانية، إلا أن هناك شيئا ما تغير.
ربما يجب التذكير مجددا، أن الأمر يتعلق بقطاع العدل الذي أكد الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة، أنه أساس ضمان أمن وسلامة المواطنين، وحماية ممتلكاتهم، وعماد الأمن القضائي، المحفز للتنمية والاستثمار. 
  مجددا أقول لمن وعدوا بمحاربة الفساد، ولم يستطيعوا للإصلاح سبيلا، كفوا عن المتابعات غير اللائقة، اعتزلوا الحديث بشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، تنحوا عن الدرب لصالح من لهم جرأة الإعلان عن الفساد ففي هذه البلاد من يستحق استقلالا فعليا للسلطة القضائية.
استكينوا مادام فينا من يريد، ومن يستحق، دولة قضاة ضامنين للأمن القضائي للمتقاضي، انسحبوا، فيوجد من هو في مستوى دولة فيها إطار قانوني يسمح باقتلاع الفاسدين من القضاة أنفسهم، تعقلوا ولا تزيدوا من رداءة الزمن.
بقلـم :  نبيل محمد بوحميدي  *

* مدير موقع العلوم القانونية
عضو جمعية عدالة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق