ملف الصباح

تبييض الأموال المنهوبة يعقد استردادها

الخضراوي رئيس المرصد القضائي للحقوق والحريات قال إن تكريس الثقة والمساواة يمر عبر عقاب كل من تورط عمدا أو إهمالا كيفما كان موقعهمحمد الخضراوي

أكد محمد الخضراوي، رئيس المرصد القضائي المغربي للحقوق والحريات، أن هناك نقصا في المراقبة القبلية والبعدية، بشأن تتبع المال العام،  رغم تعدد المؤسسات المكلفة بالتفتيش، مشيرا إلى أنه تمر سنوات على صفقات وهمية واختلاسات قبل أن تظهر إلى العلن فضائح تتم محاكمة من بقي من فاعليها،  وأضاف في حوار مع “الصباح”، أن مكافحة الجرائم المالية والوقاية منها تستدعيان مجموعة متكاملة من الإجراءات ذات الطابع الإستراتيجي والقانوني والمؤسساتي كما نصت على ذلك الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.

 رغم ما يقال عن ربط المحاسبة بالمسؤولية يلاحظ  استمرار الفساد المالي هل الدولة عاجزة عن محاربته ؟
لاشك أن الأوراش الكبرى المفتوحة ببلادنا تقتضي الارتكاز عل عدة محاور أساسية منها المسؤولية والمحاسبة، والحكامة الجيدة في تدبير الشأن العمومي، والتأسيس لثقافة تشاركية حقيقية تعزز مكانة المجتمع المدني ودوره الاقتراحي والرقابي. ولعل من المواضيع الإصلاحية الأساسية التي تكرس الثقة في المؤسسات وترسخ الفكر المواطني وتقوي من جهاز المناعة الأخلاقي وفكر الممانعة، هي آليات المكافحة القانونية والتنظيمية لمواجهة الفساد المرتبط بتدبير المال العام والتصدي لهذا الإجرام المالي الذي يعتبر بكل تأكيد عرقلة حقيقية للتنمية، في إطار “التجاذبات الكبرى التي تعرفها الساحة الاقتصادية العالمية والسياقات الوخيمة التي خلفتها عولمة الإجرام عبر آليات ومصادر مختلفة حيث ظهر جيل جديد من المنازعات، وبرز تطور كبير في الجريمة ومنها الجرائم المالية حيث تشعبت ميادينها وتقنياتها مما أفرز قناعات مختلفة لدى الجميع، بأنها لم تعد تشكل فقط خطرا على مجهودات التنمية الوطنية والدولية، ولكن أصبحت تهدد أمن واستقرار المجتمعات بالنظر إلى آثارها السلبية على ترسيخ دولة القانون ومصداقية المؤسسات وإضرارها بالاقتصاد المؤسساتي ومساهمتها في ما سمي بالاقتصاد الخفي.
ولكن في نظركم هل استطاع القضاء المغربي لعب دوره في هذا الإطار؟
لا شك أن حماية المال العام مسؤولية الجميع لكن تبقى للقضاء الكلمة الفيصل، خاصة عندما لا تقوم آليات الرقابة المستمرة بمهمتها كما يجب، هذا القضاء الذي كرس الدستور صفته سلطة مستقلة عن باقي السلط تخول ضمانات محاكمة عادلة بعيدا عن أي مزايدات سياسية، سلطة تملك آليات الردع لكل من سولت له نفسه ارتكاب هذه الأفعال الجرمية التي تكيفها بعض المنظمات الحقوقية بأنها جريمة ضد الإنسانية.
لكن إذا كانت الآليات الدستورية المتاحة الآن والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب تعطي نفسا لهذه المقاربة من خلال دسترة عدة مؤسسات ومفاهيم مرتبطة بها، فإن الملاحظ هو أن القوانين الأقل درجة ما زالت تشوبها عدة ثغرات ونقائص تحول دون إضفاء الحماية المطلوبة فضلا عن عدم تفاعل بعض المؤسسات مع هذه الترسانة القانونية بالشكل الذي يتماشى مع دولة الحق والمؤسسات.
 إذ ما هي  النقائص والعيوب التي ترصدونها؟
 قد يبدو من خلال قراءة الحركة التشريعية في المغرب أن النصوص الحالية تعد حلقة في سياق سلسلة تروم في مجملها استكمال بناء منظومة وطنية للنزاهة ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي (حذف محكمة العدل الخاصة، قانون مكافحة تبييض الأموال، قانون حماية الشهود، تعديل مقتضيات المجلس الأعلى للحسابات…).
لكن مكافحة الجرائم المالية والوقاية منها يستدعيان مجموعة متكاملة من الإجراءات ذات الطابع الإستراتيجي والقانوني والمؤسساتي كما نصت على ذلك الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
فمراقبتنا للواقع تجعلنا نرصد مثلا أن تجربة المجلس الأعلى للحسابات الذي تمت “دسترته”، تشوبها عدة انتقادات سواء على مستوى العنصر البشري أو في مجال اختصاصاته، حيث لا تطول مراقبته عدة جهات لها علاقة مباشرة ومؤثرة في تدبير المال العام وتبقى خارج سلطته، مما يؤثر بالتأكيد على نجاعة مسطرة التأديب المالي فضلا عن ضعف آليات الضغط والردع التي تتوفر عليها هذه المؤسسة، مما يتيح لمجموعة من تمتد إليهم شبهة الفساد فرصة عدم الخضوع للمحاسبة في حين إنه لم يعد مقبولا من أي أحد يتحمل مسؤولية عامة أن يكون فوق المحاسبة.
أما أقسام جرائم الأموال التي أحدثت في عدد من الدوائر الاستئنافية والتي تبقى غير كافية، فإنها وإن كانت تضم قضاة حصلوا على تكوين تخصص مركز إلا أن ذلك التكوين كان لفترة غير كافية بالنسبة إلى مجال يعرف تشعبا في تقنياته، ويقتضي مواكبة تشريعية سريعة وتكوينا مستمرا للأجهزة المكلفة بالبحث والتقصي والمحاكمة لمواجهة تراكم وطول المدة التي يستغرقها النظر في هذا النوع من القضايا، وتتطلب معرفة بتقنيات خاصة بالمالية والمحاسبة وتسيير المجالس الجماعية والصفقات العمومية.
 كما أن صيغتها الحالية تطرح نوعا من الغموض والالتباس المسطري ومجموعة من الإشكاليات القانونية التي من شأنها أن تعرقل تطبيق النص القانوني وتحول دون تحقيق الهدف الكبير وهو حماية المال العام ومكافحة الفساد، وهو ما يزيد من صعوبة مواجهة هذه الآفة.
والذي يزيدنا قلقا هو اقتناعنا بأن مطالبنا منذ مدة طويلة، بضرورة الوصول إلى نموذج المحاكم الاقتصادية على غرار دول أخرى ومزودة بإمكانات بشرية ومادية مهمة، ستبقى صيحة في واد على امتداد السنوات المقبلة ما دام مشروع قانون التنظيم القضائي المقدم الآن للنقاش لا يتضمن أي تصور متكامل بشأنها.
  ألا ترون بأن الخطير هو عدم استرداد الأموال العامة المنهوبة، وما هو الحل في نظركم لمواجهة هذه المعضلة؟
  لا يخفى على أحد أن الجناة يقومون عادة بتحويل الأموال المنهوبة إلى ذمة أبنائهم أو  زوجاتهم أو من يثقون فيهم أو يلجؤون إلى التبييض، فتتعذر عملية الاسترداد رغم أننا نتوفر على نصوص قانونية  تخول الحكم بمصادرة الأموال والقيم والممتلكات لفائدة الدولة من أي شخص كان وأيا كان المستفيد منها، كما أننا نتوفر على مقتضيات تسهل عملية التنفيذ الجبري على كل مدين بأموال عمومية.
وهنا لابد أن نسجل بوضوح أننا نعاني نقصا في المراقبة القبلية والبعدية  رغم تعدد المؤسسات المكلفة بالتفتيش، حيث تمر سنوات على صفقات وهمية واختلاسات قبل أن تظهر للعلن فضائح تتم محاكمة من بقي من فاعليها ويتم وصف هذه المحاكمات عن غير حق بأنها مسرحيات، ولعل هذا ما دفع أيضا إلى المطالبة على المستوى الدولي، ما دامت هذه الجريمة لها امتدادات عابرة للدول، بإحداث محكمة دولية متخصصة لمحاكمة ناهبي المال العام، على أن يمنح الحق للمواطنين إلى جانب الدول بتعقب هذه الأموال المهربة وجمع الأدلة وتوفير المساعدة لتقديم الدعاوى الفردية والجماعية.
 

إستراتيجية لمحاربة نهب المال العام

إن الوقت قد حان لإيجاد إستراتيجية وطنية متعددة المحاور على قاعدة مناهضة الفساد ومحاربة نهب المال العام واسترجاع الأموال المنهوبة، مع توسيع صلاحيات واختصاصات مؤسسات الرقابة والحكامة، ووضع كافة الضمانات الفعلية للتأسيس لسلطة قضائية مستقلة، كفؤة وقادرة على فرض احترام وسيادة القانون ومعاقبة ناهبي المال العام وإيجاد قضاء متخصص متمكن من الإطار القانوني  والتقني والاقتصادي والمحاسباتي للجرائم الاقتصادية والمالية. ومن هذا المنطلق أرى من الضروري دعم هذا التنظيم القضائي بإجراءات أخرى كثيرة لكسب الرهان ومنها، وضع آليات فعالة لتنزيل المبادئ الدستورية الهامة كربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع قواعد واضحة لشفافية تدبير المال العمومي، ودعم مجهودات المؤسسات المستقلة للمراقبة، وتأهيل باقي الجهات المشاركة في الفعل القضائي خاصة الضابطة القضائية والخبراء، وتشجيع المجتمع المدني ووسائل الإعلام كآليات للرقابة الشعبية. إن تكريس الثقة والمساواة يمر من عقاب كل من ثبت تورطه عمدا أو إهمالا كيفما كان موقعه من خلال محاكمة عادلة ثم استرداد الأموال.

في سطور

– دكتور في القانون
– رئيس المرصد القضائي للحقوق والحريات
– رئيس القسم الفني بمحكمة النقض
–  أستاذ زائر

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق