خاص

أثرياء سوس… العصاميون

 الصباح تحكي تفاصيل مسارات نجاح والأسرار الثلاثة لتشكيل الثروة

في المغرب، خصوصا عاصمته الاقتصادية، يوجد كثير من الأثرياء القادمين من سوس، أوائلهم غادروا مداشرهم حفاة الأقدام، واشتغلوا في قطاع التوزيع: البقالة. بعد أن راكموا أرباحا، جلبوا أبناءهم وأقاربئهم، ووسعوا نشاطهم.
تشبثوا بقيم الاستقامة «أغراس أغراس»، وعرفوا، ببراغماتية نادرة، كيف يضبطون «الإيقاع» مع شروط كل مرحلة سياسية، فصاروا اليوم، صناعا لأشهر العلامات التجارية… هنا قصص نجاح لرجال اكتسحت منتوجاتهم،
من اللحوم المحولة والقهوة والشاي رفوف مطابخ الأسر المغربية.

إنجاز: امحمد خيي

في نونبر الماضي، نشرت مجلة “فوربيس”، التي تعد أشهر مصدر معلومات عن الثروة وأخبار مجال المال والأعمال في العالم، قائمة جديدة لمليارديرات المغرب، فكان “واكريم”، أبرز اسم جديد ينضم إلى القائمة. غير أنه في الواقع، لم تأت “فوربيس” بأي جديد، بالنسبة إلى من يعلمون أن “AKWA”، اسم هولدينغ أسرة أخنوش، لا تملك منه هذه الأسرة سوى النصف الأول من الكلمة، أما النصف الباقي: الألف والواو، فليس سوى اختصارا لاسم الشريك الثاني “واكريم”.
وكما يختفي “واكريم” وراء أخنوش، القليلون فقط، يعلمون أن علامة القهوة الشهيرة “ASTA”، ليست سوى تفصيلا صغيرا من الاسم الكامل “اسطايب”، الدال على الأسرة المالكة لهذه العلامة، كما تختفي أسماء أخرى تعود إلى أثرياء سوس وراء علامات تجارية لمواد غذائية وأخرى للبناء، اكتسحت الأسواق وشاشات الإشهار وغزت البيوت.
فمن تكون هذه الأسر؟ ومتى استقرت في العاصمة الاقتصادية؟ وماهي أسرار “منهجها” في تكوين الثروة؟

تاريخ ظهور سواسة بالبيضاء

في كتابه الصادر حديثا، “العصاميون السوسيون في البيضاء”، أرجع عمر أمرير، أستاذ جامعي باحث في التراث الأمازيغي ومعد برامج تلفزية، أول ظهور للسوسيين في البيضاء، إلى 1784 ميلادية.
وأورد أمرير، نقلا عن كتاب “من أخبار أنفا والشاوية عبر العصور”، لصاحبه المعروفي هاشم عبير الزهور، أن تلك السنة شهدت “انتقال أولى العائلات السوسية إلى البيضاء، نهائيا، وبنسائها وأفراد عائلاتها، وبالمألوف من عاداتهم الاجتماعية والعلمية ومهاراتهم اليدوية”.
المصدر وصل إلى أسماء عشرة من تلك العائلات، وحددها في “اجضاهيم” و”الكنداوي” و”براد” و”الصنهاجي” و”بوالضربات” و”بوالزرع” و”الكابوس” و”أناكوف” و”أبلاط” و”الغزواني”، أكد أيضا، أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله، هو الذي كانت له اليد في استقدام تلك العائلات.
وكانت رغبة السلطان، الذي وجد مدينة “أنفا” القديمة قد اندثرت معالمها وتحول اسمها إلى “كازابلانكا” بعدما استعمرها البرتغاليون في القرن 15، من وراء استقدام تلك العائلات، وتكليفها بالعمل في المرسى الجديد للمدينة، وحراسة الأمن بداخلها.
ويظهر، أن اختيار السلطان للسوسيين من أجل إعادة تأسيس البيضاء، وراءه انبهاره بمنطق الاستقامة: “أغراس أغراس”، الذي يعرفون به إلى اليوم، فقال المعروفي في عبير الزهور، إن السلطان استقدمهم “لما جبلوا عليه من طبيعة الجد والحزم والأنفة”.
إشراف السلطان على تشكيل الحضارة البيضاوية الجديدة، لم يعتمد فيه فقط على “سواسة”، بل استقدم أيضا، أسرا من الشاوية ودكالة، المعروف أفرادها بـ”الشجاعة والكرم”، وأسرا من أهل فاس، المعروفين بـ”المدنية والحضارة”.
وأورد عمر أمرير، اعتمادا على مصادر ووثائق تاريخية، أن الأسماء العشرة التي سماها “السوسيون السابقون إلى البيضاء”، اشتغل بعضهم في البناء، مثل “المعلم اجضاهيم” الذي بنى “جامع السوق”، والفقيه محمد الصنهاجي،  الذي تولى منصب محتسب البيضاء، وكان من الأعيان فـ”أنفق على بناء جامع الشلوح”، الشهير إلى اليوم.
الجيل الثاني من “سواسة” الذين قدموا إلى البيضاء، خلال القرن 19، وعلى غرار الجيل الأول، لم تكن رحلاتهم إلى المدينة، خالية من تكبد المشاق والصعاب.
فخلال تلك الفترة من تاريخ المغرب، كانت فيها وسائل المواصلات نادرة، وقبل أن تظهر الحافلات إبان الاستعمار الفرنسي، أغلب القادمين، جاؤوا حفاة الأقدام وفي قوافل على الدواب، وتسلقوا قمم جبال الأطلسين الكبير والصغير، وأساسا عبر فج “تيزي نتاست”، وهي الرحلات التي تعاملوا خلالها مع فرق “الزطاطة” حتى لا يقعوا في أيدي قطاع الطرق.

الأسرار الثلاثة لتشكيل الثروة

كل من يقرأ “السلسلة الذهبية الأولى” التي وضع فيها عمر أمرير، تراجم العصاميين السوسيين في البيضاء، سيستنتج أن السر الأول الجامع بين قصص نجاح هؤلاء في إيجاد مكان لهم بالبيضاء، هم القادمون في رحلات عبر الجبال تصل مدتها إلى 21 يوما في أحسن الحالات، وكل زادهم حفنة من “البسيس” والعسل والسمن وأركان والفواكه الجافة، قيمة اسمها “التضامن”. فكيف ذلك؟
بعدما صار السفر نحو البيضاء، “موضة” اليافعين من الذكور في مداشر سوس، وأساسا منطقة تافراوت، بعد أن يكونوا قد حفظوا في المسيد والزوايا ما تيسر من “القرآن”، بمجرد أن يصل الواحد منهم البيضاء، يجد في استقباله أبناء بلدته أو قبيلته، من التجار، فيحتضنونه بينهم.
ويتمثل هذا الاحتضان التضامني، الذي مايزال سائدا إلى اليوم وبصيغ أخرى، في اعتماد الوافد الجديد، مساعدا لتاجر قديم، وحينما يثبت أنه جدير بالثقة وتجذرت فيه قيم “الأمانة والاستقامة والاجتهاد”، يرتقي إلى درجة مشرف على واحد من سلسلة محلات مملوكة إلى ثري سوسي مقابل جزء من الربح، وحينما يدخر قدرا من المال، يستقل بذاته، فيفتتح بدوره دكانا، على غرار سابقيه.
أما السر الثاني، لنجاح السوسيين في تكوين ثرواتهم، فيتجسد في حسن تدبير العلاقة مع السلطة والنخبة الفاسية، اتقاء لـ”شر” من يدور في فلكها، ومن أجل الحفاظ على الاستقلالية. هذا على الأقل ما يظهر من تصريحات باحثين، اتصلت بهم “الصباح”، مثل أحمد عصيد، الباحث في الثقافة الأمازيغية، ومحمد شقير، الذي أنجز دراسة عن النخبتين الفاسية والسوسية.
والمتتبعون لمسارات بعض النماذج من تجار سوس، رصدوا تحولات وانعطافات حاسمة في مواقفهم السياسية وتموقعاتهم، لها علاقة بـ”تدبير العلاقة مع السلطة”، فكانت البداية بالانتفاض  في وجه الحماية الفرنسية، بالمشاركة في معارك المقاومة المسلحة وتمويل الحركة الوطنية في المدن، ثم الدخول في صراع مع النخبة الفاسية والانضمام إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وصولا إلى الاصطفاف بجانب السلطة، وتمويل مبادرات لها مثل المسيرة الخضراء وبناء مسجد الحسن الثاني، وصولا إلى مرحلة عقد مصاهرات “مصلحية” مع عائلات فاسية وسلاوية.
وفي نظر أحمد عصيد، الباحث في الثقافة الأمازيغية، “الرغبة في الاستقلالية هي التي استوجبت ذلك”، وفرضت “شراء الاستقلالية” بالخضوع لتخويف السلطة، التي تعاملت مع النخبة السوسية كـ”بقرة حلوب” ومصدر للعملة، خصوصا وأن “سواسة”، لم يكن لهم من يحميهم، وكل ثرواتهم كانت بالاجتهاد والعمل، على خلاف النخبة الفاسية الأندلسية، التي “كانت قديمة في السلطة ومحمية من أطرها في الدواوين السلطانية”، حسب أحمد عصيد.
ويكمن السر الثالث، في نمو ثروة السوسيين، في تدارك الجيل الثاني لأخطاء الجيل الأول، عن طريق تمكين أبنائهم، الذين يشكلون الجيل الثالث، من تكوينات في التجارة والتسيير، داخل المغرب وخارجه، على غرار ما قامت به النخبة “المدينية” إبان الاستعمار.
وهذا الجيل الثالث والراهن، هو الذي سيقوم بتحديث المقاولات وتحويلها إلى مجموعات تسمى “الهولدينغ”، وتحتكر اليوم أكثر من قطاع، وغزت بعلاماتها التجارية الأسواق، ويعد عزيز أخنوش وشريكه علي واكريم، وأبناء الراجي بائع الشاي، وأبناء أمزيل، مالك صباغات “أطلس”، وبيمزاغ مالك “كتبية”، أبرز تلك النماذج.

الحملة الانتخابية لأخنوش… كلهم هنا

التضامن بين أثرياء سوس، سيما أولئك المتحدرين من “أدرار”، أي منطقة تافراوت، مايزال مستمرا إلى اليوم، رغم أن الجيل الجديد تربي في المدن وأمضى فترات من حياته بدول أروبية.
فحينما اختار عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، في حكومة عباس الفاسي، خوض الاستحقاقات الانتخابية لتجديد أعضاء مجلس النواب في 25 نونبر 2011، بالترشح في إقليم تزنيت، لم يتركه بقية أثرياء بلدته يواجه مصيره ويختبر شعبيته، إنما تركوا أعمالهم وشركاتهم وراءهم في البيضاء، خلال الفترة من 12 إلى 24 نونبر 2011، واصطفوا وراءه في حملته الانتخابية.
ومن أبرز الأحداث المؤرخة لذلك، ظهور عائلة آيت بوفتاس، والوزير السابق عبد الرحمان بوفتاس، خلال مرحلة “إيزربي” من حملة أخنوش، ففتحوا أبواب قصرهم الشهير بالمنطقة، أمامه، وحثوا أبناء قبيلتهم على دعم الوزير، على غرار ما قام به علي أمزيل وابنه عبد الرحيم، مالكا شركة صباغات “أطلس”.

واكريم… شريك أخنوش البعيد عن الأضواء

لما ضمت “فوربيس” اسم علي واكريم، إلى قائمة أثرياء إفريقيا، في نونبر الماضي، وحددت ثروته في 600 مليون دولار، عجزت هذه المجلة العريقة عن الحصول على صورة للرجل، ذلك أن علي واكريم، شريك عزيز أخنوش، يفضل ترك كل الأضواء مسلطة على ابن خاله، عزيز أخنوش، والبقاء بعيدا.
وبالعودة إلى مسار والدي عزيز وعلي، أحمد أولحاج أخنوش، الذي امتدت حياته من 1909 إلى 1994، وصهره أحمد واكريم، الذي عاش من 1897 إلى 1990، يستنتج أن واكريم الأب، ظل بدوره بعيدا عن الواجهة لحساب أخنوش الأب.
وأول مرة غادر أحمد واكريم، قريته “أداي”، يافعا، سنة 1910، فقد كان ذلك من أجل الالتحاق بوالده محمد واكريم، إلى طنجة، حيث كان الأخير، يشتغل ضمن المكلفين بخيول السلطان مولاي عبد العزيز، قبل أن يوفر نقودا، افتتح بها متجرا بـ”سوق الداخل”، ومنذ ذلك الحين شرع أحمد واكريم، في تعلم التجارة على يد والده.
ويحكي عمر أمرير في كتابه المذكور، أن الأب اضطر، نظرا لسن ابنه، إلى إجلاسه في مقعد مرتفع لكي يظهر من داخل المتجر، وحتى يستطيع مراقبة الزبناء، ويتعلم لغتهم بالاستماع.
وابتداء من 1921، سيشتد عود أحمد واكريم، وبعد عودته من بلدته حيث عقد قرانه، افتتح له والده متجرا خاصا به في العرائش، وهناك سيكون ثروة غادر بها نحو البيضاء في 1937، فاقتنى محلا بـ”درب عمر”، الذي كان موقعا إستراتجيا جديدا حينها، وانتقل إليه أغلب تجار “درب كناوة”. ومنذ ذلك الحين ازدهرت تجارته وتوسعت أكثر، بتأسيس سلسلة متاجر، وصلت إلى خريبكة ووادي زم وسطات وأولاد سعيد.
المعلومات التي جمعها عمر أمرير، تبرز أن نقطة التحول الحاسمة في مسار أحمد واكريم، كانت حينما تخلى عن الإشراف على متاجره لأخيه حسن، وقرر رفقة صهره أحمد أولحاج أخنوش، تجريب مجال جديد، ممثلا في بيع البنزين، بشرائهما، في الأربيعينات، لمحطة تابعة في عهد الحماية لشركة “موبيل أويل”، وتقع بزاوية شارع السويس وطريق مديونة، المعروفين حاليا بشارع الفداء وشارع محمد السادس، فغير اسمها إلى محطة “إفريقيا”.
الشريكان واكريم وأخنوش، لم يكتفيا بشراء تلك المحطة، التي كانا يضعانها رهن إشارة الخلايا المسلحة للحركة الوطنية بالبيضاء التي كان يشرف عليها الشهيد محمد الزرقطوني وإبراهيم الروداني، للاجتماع فيها، بل اقتنيا محطة ثانية، توجد إلى اليوم بطريق الجديدة، وفيها شيدا شقتين، واحدة كان يقيم فيها أحمد واكريم وزوجته، والثانية كان يقيم فيها والد عزيز أخنوش.
ويعتقد كثيرون أن لولا الشراكة مع واكريم، وابتعاد هذا الأخير عن السياسة، لما حافظ أخنوش على ثروته، ونموذج ذلك، أن والد أخنوش وبسببه علاقته بالمقاومة المسلحة في جبال الأطلس الصغير، وبخلايا الحركة الوطنية في المدن، اعتقل مع خلية من المقاومين حينما داهم البوليس الاستعماري محطته التي تحتضن اجتماعاتهم، ونقل نحو سجن بالجنوب، غير أن شريكه وصهره حافظ له على ثروته وممتلكاته، و”زاد ينميها على عادة الشركاء السوسيين”، يؤكد عمر أمرير.
بعد استقلال المغرب في 1956، دخل الشريكان أخنوش وواكريم، ابتداء من 1958، في مسار جديد، عندما أسسا “الشركة المغربية لتوزيع الوقود إفريقيا”، وشرعا في اكتساح المغرب بمحطاتها، وصولا إلى 1976، حيث قاما بتأسيس المصنع المغربي للغازات الطبية والصناعية، المعروف إلى اليوم بـ”مغرب أوكسجين”، ثم اقتحما مجال توزيع قنينات غاز البوتان.
بوفاة أحمد واكريم في 25 يوليوز 1990، وأحمد أولحاج أخنوش، في اليوم ذاته والشهر ذاته سنة 1994، سيأتي الدور على الأبناء، عزيز وعلي، ليقوما بمواصلة المشوار وتحديث “مجموعة إفريقيا”، بتحويلها في 2002، إلى مجموعة هولدينغ “AKWA” المحيلة على الأحرف اللاتينية الأولى من اسميهما، وتجاوزت استثماراتها اليوم ميدان الطاقة والمحروقات لتشمل السياحة والعقار والإعلام.
وتشير آخر الأرقام، التي كشفت عنها المجموعة في 2012، أنها تتكون من 60 شركة، اثنتان في البورصة،  وأنها حققت في 2012، رقم معاملات بلغ مجموعه 26 مليار درهم، ووفرت 10 آلاف منصب شغل، لها 20 علامة تجارية معروفة، وتستحوذ على 38 في المائة من سوق المحروقات بالمغرب، و20 في المائة من سوق زيوت المحركات، و45 في المائة من سوق غاز البوتان، وسوقت في 2013 حوالي ثمانية آلاف شقة في مجال العقار، وتستحوذ بمجموعتها “كاراكتير ميديا” على 30 في المائة من مبيعات المجلات والجرائد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض