خاص

أثرياء سوس… العصاميون

أمزيـل… مـن معالـج كسـور إلـى إمبراطـور الصباغـة
يحوز الحاج حسن أمزيل، وابنه عبد الرحيم، اليوم، عن طريق مجموعتهم «بن حادج إخوان» المالكة لعلامة «صباغات أطلس»، حصة مهمة من سوق الصباغة بالمغرب، بإنتاج معاملهم لخمسة آلاف طن سنويا
. فكيف كانت انطلاقة ثرائهم؟ يتبين من كتاب الباحث عمر أمرير، أن مؤسس تجربة ثراء هذه الأسرة هو علي أمزيل المعروف بأطلس، والد الحاج حسن. ولد حوالي 1880 وتوفي في 1928، وعلى غرار جيله الأول من أبناء مداشر سوس، يغادر مسيد قرية «أداي» بتافراوت، بعدما تعلم فيه القراءة والكتابة، ويقرر صقل موهبته في الحرف اليدوية، بامتهان الحدادة، التي كانت تمنح لممارسيها في ذلك الزمن الغابر، سطوة ومكانة في المجتمع، الذي شرع في التخلي عن الآلات الخشبية لتعويضها بالمعاول والمطارق الحديدية. في 1901، وبمجرد مرور فترة قصيرة على عقده لقرانه على شابة من الدوار، سيغادر علي أمزيل منطقته، فجرا، دون أن يخبر أحدا بوجهته، تاركا الناس في حيرة التفسيرات، قبل أن تأتيهم أخبار على لسان بعض المسافرين، تشير إلى أن «النعمة» ظهرت عليه، وتجاوزت شهرة مهارته في صنع الآلات الحديدية، حدود منطقة سوس، لتصل إلى الحوز ومراكش، زيادة على «بركته» في معالجة الكسور، قبل أن تنقطع أخباره من جديد.

ويحكي الباحث عمر أمرير، نقلا عن الابن الحاج حسن أمزيل، أن أخبار علي أمزيل، ستأتي من جديد في 1912، حينما التقاه مسافرون من سوس لأداء مناسك الحج، بالحجاز، حيث استضافهم، وأخبروه بوفاة زوجته، وألحوا عليه ليعود معهم إلى المغرب، وفي طريق العودة، حكى لهم عن تجربته لدى أهل الشام والحجاز وفلسطين ولبنان، في الحدادة ومعالجة الكسور وتعليم سكانها أساليب السوسيين في فلاحة وغرس الواحات، وتعلم منهم صنع الصباغات وتلوين الصوف. وبعودته في 1913 إلى بلدته، سيتزوج من جديد، وبفضل مهاراته المتنوعة، كان له زبناء من النجارين والفلاحين والفقهاء ونساخي الكتب والمصابين بكسور، تمكن بالتعامل معهم من جمع رأس مال، سافر به إلى البيضاء، واقتنى فيها دكانا، بدأ فيه تجارته، التي أقبل عليها الناس، تزامنا مع طفرة عمرانية كانت تشهدها المدينة. بوفاة علي أمزيل في 1928، سيأتي الدور على ابنه حسن أمزيل، الذي علمت «الصباح» أنه رأى النور في 30 يونيو 1919، ولم يغير كثيرا من مجال اشتغال والده، بتأسيس شركة «بن الحادج إخوان» في 1947، ليكون تاريخ أكبر نقلة نوعية في تجربتهم، إطلاق وحدتهم الثانية لإنتاج الصباغات في 1969. وبالنسبة إلى عبد الرحيم أمزيل، حفيد الحداد ومعالج الكسور الذي يتولى اليوم مهام المدير العام للمجموعة، مكانة مقاولة أسرته «ضمن رواد قطاع إنتاج الصباغات، ليست نتاج صدفة، بقدر ماهي نتيجة نصف قرن من العمل والتنمية المرتكزة على العنصر البشري»، مضيفا، في معطيات في الموقع الالكتروني للمجموعة أن هذا العنصر البشري، يتمثل في 300 إطار من الرجال والنساء.
ولا تفتخر أسرة أمزيل، فقط، بتطويرها لمصانعها وتزويدها بآخر التكنولوجيات الحديثة التي تمكنها من إنتاج 5000 طن من الصباغة سنويا، وبتوشيح الراحل الحسن الثاني لحسن أمزيل، بوسام ملكي باعتباره «من أعمدة الصناعة الوطنية»، بل أيضا بشهادات الجودة «إزو» والميدالية الذهبية لأحسن رقم معاملات في التصدير، تلقتها الشركة من المجلس الوطني للتجارة الخارجية، أما الرأسمال الاجتماعي للشركة حاليا، فتشير نسخة من سجلها التجاري، إلى أنه يصل إلى 80 مليونا و900 ألف درهم.
الاحتضـان يعــوض “العمـل الإحسانـي”
يعرف على أثرياء سوس، وأغلبهم من تافراوت، انخراطهم في العمل الإحساني بمنطقتهم، غير أن اللافت للانتباه، هو تحديث صيغ القيام بذلك، حتى تكون الفائدة مستدامة ممثلة في مشاريع يشرف عليها المجتمع المدني بالمنطقة.
ويشير مراقبون إلى تجربة المهرجان السنوي لفنون القرية “تيفاوين”، الذي أسسه شباب تافراوت قبل حوالي 10 سنوات، ويعد بعد مهرجان “تيميتار” بأكادير، ثاني أهم موعد فني وثقافي صيفي بجهة سوس ماسة درعة.
ومن بين ما تقوم عليه فكرة المهرجان، اعتماد صيغة الاحتضان أو “السبونسورينغ”، بدل “العمل الإحساني”، في التعامل مع أثرياء المنطقة، فاختاروا مثلا، شركة “أطلس” صباغات، محتضنا اجتماعيا لفقرة الزواج الجماعي، من المهرجان، فيقام سنويا حفل لتزويج الشباب المعوزين، والاحتفال بهم، بتمويل من أسرة أمزيل وبحضور عامل إقليم تزنيت ومسؤولي الجهة.
“سلطان” الشاي يبيع 50 مليون علبة في السنة
توجد أسرة الراجي، المتحدرة من “أكرض أوضاض”، الدوار ذاته الذي ينتمي إليه عزيز أخنوش بتافراوت، على قائمة أثرياء سوس، بفضل منتوجات الشاي، المشروب الأكثر شعبية بالمغرب، والذي تبيع منه أسرة الراجي، لوحدها، حوالي 50 مليون علبة سنويا، في سوق يعرف منافسة شرسة بين حوالي 400 علامة تجارية.
بدايات هذه الأسرة في تجارة الشاي، كانت على يد حسن الراجي، الذي عاش بين 1914 و1996، سليل أسرة وجيهة في تافراوت، بفضل أبنائها من علماء الدين ورجالاتها المقاومين ضد الاستعمار.
وحسب عمر أمرير، تشير المعطيات التي توصل إليها أن حسن الراجي، حل بالبيضاء سنة 1925، قادما مع قوافل التجار، ليلتحق بأخيه بلقاسم، تاجر المواد الغذائية، فحالفه الحظ في الارتقاء سريعا وتكوين ثروة.
وتفاصيل حكايته، كما جمعها عمر أمرير، تقول إن مشغله، حينما أراد القيام بزيارة إلى بلدته الأصل، تردد في أمر ترك المحل لمعاونه حسن الراجي، بسبب حداثة تجربته، غير أن هذا الأخير أقنعه، بتمكينه من تلك الفرصة، ولما سلمه المفاتيح، وعلى إثر الأخبار المفرحة التي كان تصل مالك المحل، أطال من مدة عطلته.
وكانت أخبار سطوع نجم حسن في التسيير، تصل أيضا إلى والده، عالم الدين عبد الله الراجي، فقرر مباغتته بزيارة مراقبة إلى البيضاء، حيث وقف على جدية ابنه، وتأكد منها في جلسة جمعتهما ليلا، عندما طرح الفقيه على ابنه ثلاثة أسئلة: “هل تخاف ربك وتستحضره في معاملاتك مع الزبناء؟ وهل تخاف ربك حين تحسب المداخيل بالليل وتكتفي بأخذ أجرتك؟ وهل تخاف ربك حينما تنفق على المحل وعلى نفسك؟”.
وفيما يقول أمرير، إن الابن لم يكتف بالجواب بالإيجاب، إنما أخرج أمام والده رزمتين من الأموال، واحدة فيها أرباح مالك المحل، والثانية فيها نصيبه، كشف أن الراجي، وبعدما ادخر قدرا من الأموال، افتتح بدوره متجرا خاصا به.
وتتشر بين تجار سوس، حكاية ضربة الحظ الحقيقية التي صنعت مجد آل الراجي، وفيها أن والدهم حسن، غامر حينما عمل بنصيحة تاجر يهودي بالبيضاء، بالعمل على اقتحام مجال الاستيراد من الخارج، عن طريق الاقتراض من البنوك، وهو الاختيار الذي كان تجار سوس الأوائل يتفادونه، واستيراد كميات كبيرة من الشاي.
وتضيف الحكاية أن السفينة التي كانت حاملة بكميات الشاي التي وضع فيها الراجي كل أمواله، تأخرت في الوصول إلى المغرب، بسبب معارك الحرب العالمية الثانية، فأصابت الراجي أزمة مالية، خصوصا وأن الأبناك بدأت مساطر استرجاع أموالها منه، غير أن السفينة ستصل أخيرا، بالتزامن مع ندرة شاي في المغرب، فتحولت نقمة الراجي إلى نعمة، عندما جنى أرباحا غير متوقعة في وقت قياسي.
ومنذ ذلك الحين ألصق به لقب “حسن بو أتاي”، وأسس شركة “تمانديس” للاستيراد والتوزيع، وبها كان يستحوذ على 65 في المائة من السوق، بعلامته “العرش”، إلى غاية 1958 تاريخ، تأسيس المكتب الوطني للشاي والسكر، واحتكار الدولة لاستيراد الشاي، فصار حسن الراجي وعائلته يكتفون بإعادة بيعه.
وبعد تحرير الدولة للقطاع في سنة 1993، تحولت شركة “تمانديس” إلى “الشركة المغربية للتغذية”، وأصبح يسيرها حميد الراجي، ابن حسن الراجي، فأطلق علامة “سلطان”، التي سيطر بها على حصة 32 في المائة من مبيعات الشاي بالمغرب، وبمواصلته لتحديث شركة عائلته، أطلق علامات جديدة من الشاي، وأخرى راقية وموجهة للمطاعم الكبرى ولخدمات “فن العيش”، قبل أن ينتقل إلى التصدير، الذي يماثل خمسة في المائة من مجموع رقم معاملات الشركة.
وبتركيزهم على الإشهار والإعلان واحتضان المهرجانات الفتية والأنشطة الرياضية، مثل “ماراثون الرمال” و”موازين” و”تيميتار”، تفوق آل الراجي على بقية منافسيهم في القطاع، ليتمكنوا، ابتداء من 2010 في توزيع 50 مليون علبة من الشاي سنويا.
اسطايـب… ملـك “القهـوة”
يوجد أحمد اسطايب، المولود سنة 1945، وأبناؤه على قائمة أثرياء سوس، بصفته المستورد الأول للبن الأخضر بالمغرب من كولومبيا والبرازيل والهندوراس و”كوت ديفوار”، وهو النشاط الذي شرع في ممارسته ابتداء من 1973، عن طريق مقاولته “شركة الصحراء للمقاهي”.
المقاولة المذكورة، تشير نسخة من سجلها التجاري، حصلت عليها “الصباح”، أن رأسمالها الاجتماعي، حاليا يبلغ 60 مليون درهم، إذ عرفت تحولات هيكلية، ابتداء من 1998، حينما شرعت المقاولة في توسيع نشاطها، ليشمل التصنيع، بإنشاء وحدة للانتاج والتعليب، تصل قدرتها إلى 10 آلاف طن في السنة.
وبتوفر أسرة اسطايب، التي اشتقت من اسمها العائلي، علامة “أسطا”، على ست آليات حديثة خاصة بتحميص البن، أصبح بإمكانه أن ينتج خمسة آلاف طن من القهوة في الساعة الواحدة، في بلد يصل المعدل السنوي لاستهلاك القهوة فيه من قبل الفرد الواحد 800 غرام.
هذه الأسرة، المشهورة في منطقة أيت عبد الله الجبلية بتارودانت، تملك 80 ألف نقطة لبيع القهوة ومشتقات البن بالمغرب، ووقعت عقودا حصرية لاستغلال أسماء علامات تجارية إيطالية، مثل “لافازا”، كما أنشأت في 2005 سلسلة مقاه تحت اسم “مونديال إكسبريسو”، تنتشر بأبرز شوارع البيضاء، وواحدة منها بالمركز التجاري “موروكو مول”.
مقاولة اسطايب، التي أنشئت داخل مصانعها مختبرات لتقييم الجودة، وأرست فيها آليات إنتاج أوتوماتيكية، تقوم أيضا بإنتاج أكياس السكر من حجم 10 غرامات، وتوزعها على المقاهي والمطاعم، زيادة على منتوجات الشوكولاتة السوداء ومسحوق الحليب والشاي، وتعد علامة “البلار” من أشهرها.
وزيادة على شركة مقاهي الصحراء، توجد في ملكية الأسرة شركتان أخريان، تجتمعان في النشاط ذاته، وهي “صوديكاف”، التي يبلغ رأسمالها 33 مليون درهم، و”إندوكاف” المتخصصة في استيراد الشاي والتوابل، ويصل رأسمالها إلى 40 مليون درهم.
وبعد تحقيق آل اسطايب، للريادة في قطاع استيراد وإنتاج وتوزيع البن والقهوة، جربوا ميدان الإنعاش العقاري، بتأسيسهم شركة “أسطا إموبيليي”، برأسمال 25 مليون درهم، ومن أكبر مشاريعها العقارية “سيرينا بارك” بمنطقة بوسكورة، الذي سوقت منه الشقة الواحدة بمبالغ تراوحت بين ثلاثة وستة ملايين درهم، بمعدل 14 ألفا و500 درهم للمتر المربع.
ومع كل ذلك لم تسلط الأضواء كثيرا على آل اسطايب، خارج المنطقة التي يتحدرون منها، إلا في السنوات الأخيرة، حينما قرروا، في إطار إستراتيجية التسويق والإعلان لمنتوجاتهم، احتضان الكثير من الأحداث الفنية والرياضية في المغرب، والخروج إلى العلن، بتنظيم مهرجان فني صيفي بمنطقتهم آيت عبد الله، يعرف بـ”إيزوران”، ويديره بشكل مباشر، مؤسس “أسطا”، الحاج أحمد اسطايب.
بيمـزاغ… 75 فـي المائة مـن “الكاشيـر”
في أواخر نونبر الماضي، استأثر باهتمام المغاربة، خبر إنجاب امرأة معوزة لخمسة توائم، وتأثر الناس لحال الأسرة، لكن قبل أن تتبلور لديهم أفكار عن طريقة للتضامن وحشد الدعم للأسرة، قامت مؤسسة للأعمال الاجتماعية تحمل اسم “الطاهر”، بما رأته واجبا فاقتنت للأسرة شقة تسع التوائم ووجدت عملا لوالدهم. وفي الحقيقة، المتكفل بسكن أسرة التوائم، ليس سوى، الطاهر بيمزاغ، مالك هولدينغ “كتبية” لتحويل اللحوم، الذي لم يمر على سطوع نجمه وسط أثرياء سوس، سنوات كثيرة، بعد أن أضحت نسبة 75 في المائة من منتوجات اللحوم المحولة، الموجودة في السوق المغربية، تأتي من مصانعه الموجودة بالمحمدية. بخصوص مسار أسرته، لا توجد معطيات كثيرة، ومن المرجح أن تكون انطلاقتها بالبيضاء، ضمن موجة السبعينات، من تجار سوس بالبيضاء، غير أن الأكيد أن الطاهر ووالده انطلقا بطريقة تقليدية، في مجال الجزارة.
الرئيس المدير العام للهولدينغ، البالغ من العمر حاليا حوالي 50 سنة، لم يكن له حظ في الدراسة، وكان يافعا وبالكاد تجاوز سنه الاثني عشر سنة، حينما شرع في الإشراف على محلين للجزارة في ملكية والده، في بن جدية بالبيضاء، وفي سن العشرين، بدأ انطلاقته في مجال تحويل اللحوم بشراء وحدة صناعية قديمة للتحويل توجد بالمحمدية، تحمل الاسم نفسه، “كتبية”، وكانت مملوكة لمحمد البلغيتي الخنوسي. معطيات كشفت عنها المجموعة، التي تجوب 500 من شاحنات التبريد التابعة لها المغرب يوميا لتوزيع اللحوم المحولة، تشير إلى أن البداية الحقيقية كانت في الفترة الممتدة من 1985 إلى 1995، تاريخ تحويل شركة عائلية للجزارة إلى المجموعة المجهولة الاسم “SAPAK»، لتتخصص منذ ذلك الحين في تحويل اللحوم، وإطلاق سلسلة متاجر للتوزيع. وفي 2005، سيؤسس الطاهر شركة جديدة، سماها «ديليس فيوند»، متخصصة في جزارة وتحويل لحوم الدواجن، ثم «كازا فيوند» المتخصصة في اللحوم الحمراء في 2006، وأتبعها في 2007 بشركة أخرى متخصصة في تربية المواشي.

وفي النهاية، أصبحت هذه المقاولات، تنضوي تحت مجموعة «كتبية هولدينغ»، التي تتشكل من ثلاثة أقطاب: التربية والجزارة والتحويل، بامتلاكها لـ40 ضيعة لتربية المواشي والدواجن، وسبعة مواقع للإنتاج، فبلغ مجموع العلامات المسجلة باسمها 120 علامة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض