fbpx
خاص

سكان الجبال يواجهون الموت الأبيض

عشرات الدواوير تواجه موجات برد قارس والمضاربون يرفعون أسعار المواد الأساسية

 

تحمل الثلوج إلى البعض بشائر عطلة نهاية أسبوع ممتعة، لكنها تتحول بالنسبة إلى البعض إلى ناقوس خطر،

تدقه بعنف رياح باردة تهب على جبال أوكايمدن ودواوير أعالي الجبال بأزيلال وبني ملال والرشيدية،
وبقلاع الحسيمة غير الحصينة من البرد القارس. وهي أكثر المناطق التي يتضرر سكانها نتيجة انخفاض درجات الحرارة ويواجهون “الموت الأبيض” بقلة ذات اليد،
بعضهم يضطر لإحراق أمتعته لتدفئة أبنائه وبعضهم يخاطر بمحاولة البحث عن مؤونة، يضارب المحتكرون في موادها.

الثلوج تهدد سكان الحوز بالعطش

وراء الصورة الجميلة لتساقط الثلوج على سفوح جبال أوكايمدن بإقليم الحوز، تقف معاناة كبيرة لسكان دواوير الإقليم، خاصة بعد أن استحال تنقلهم وسط فجاج وأودية المنطقة التي اكتست بساطا أبيض تنعدم فيه الحركة، خاصة بستي فاظمة وأوريكة وإمليل، ويركان وأسني ومولاي إبراهيم، وهي المناطق التي اجتاحتها موجة من البرد ضاعفت معاناة سكان أعالي الجبال. ويواجه السكان العطش، بسبب تجمد مياه الشرب، كما يواجهون مخاطر عند محاولتهم التنقل لجلب مؤونتهم وقناني الغاز، وهي مواد تضاعفت أسعارها بسبب الظروف المناخية.

ارتفاع الأسعار…
يواجه سكان مجموعة من دواوير الحوز الموت يوميا نتيجة وعورة تضاريس المنطقة، التي يصبح التنقل فيها محفوفا بالمخاطر بسبب قساوة الظروف المناخية. وتعيش دواوير جماعة ستي فاظمة عزلة تامة نظرا لصعوبة المسالك الجبلية التي يستحيل التنقل فيها على متن وسائل نقل.وأكد أستاذ بالتعليم الابتدائي بمجموعة مدارس ستي فاظمة أن استحالة المرور في المسالك الجبلية بسبب الثلوج، يساهم في نفاد السلع من دكاكين الدواوير الواقعة بقمم الجبال ليتجه السكان عبر الدواب إلى الدكاكين الموجودة بمحاذاة وادي أوريكة، والتي تعتمد على الأسواق الأسبوعية لاقتناء المواد الضرورية، في حين تتزود بقنينات الغاز من مراكش، الأمر الذي يضاعف سعرها الحقيقي.
كما يساهم تساقط الثلوج بكمية كبيرة بمنطقة أوكايمدن في تقلص المراعي وقلة الكلأ بالنسبة إلى الماشية، فيضطر السكان إلى اقتناء التبن والأعلاف من الأسواق الأسبوعية وأحيانا يتم بيعها لبعض الجزارين بالمنطقة، في انتظار نهاية الأسبوع التي تعرف رواجا تجاريا، بسبب توافد عشاق رياضة التزلج، كما يقل الماء بسبب تجمده، ويتعذر تنقل السكان لجلب المؤونة.
ويذكر أن أغلب البيوت الطينية بقمم الجبال، لا تتوفر على مواقد للتدفئة أو وسائل الوقاية من البرد يتم تعويضها ب”تكات”، وهو الموقد الذي يتم ملؤه بقطع يابسة من الخشب تخلف دخانا يخنق الأنفاس في غياب نوافذ، كما يتصاعد إلى جدران المطبخ، ليضطر السكان إلى الاعتماد على الفحم الخشبي للتدفئة الذي تكون عواقبه خطيرة أحيانا. وأفاد أحد السكان أن حراس الغابة يحرصون على مراقبة عملية قطع الأشجار وفرض غرامات مالية على كل من ضبط يقوم بها، الأمر الذي يرغم النساء على جمع الأعواد اليابسة من جنبات الوادي ووضعها تحت أشعة الشمس نهارا، قبل إحراقها ليلا لعلها تمكن من تدفئتهم. وكلما زاد الارتفاع باتجاه جماعة أوكايمدن، ومنطقة ستي فاظمة، تزداد معاناة سكان المناطق الجبلية بإقليم الحوز، وتتحول قطرات المطر إلى وبال على السكان، قبل أن يكسو المنطقة جليد تتقلص معه حركية السكان بشكل كبير.

قساوة البرد…
تفقد الحياة وسط الدواوير المحاصرة بالثلوج دفئها، خاصة عند الأطفال الذين يخرجون كل صباح لتفقد أحوال الطقس، ويتقافزون أمام أبواب البيوت، بأرجل باردة وأياد مزقت جلدها قساوة البرد، كما هو الحال لبشرة وجوههم الصغيرة، التي تملؤها تشققات. والحال لا يقل وطأة عنه عند الكبار، الذين يجلسون القرفصاء لعلهم يستدفئون ويتبادلون الحديث عن سعر طحن الزيتون وطرق نقله من الدوار باتجاه المعصرات الموجودة على ضفاف الوادي، محدقين في زوار المنطقة الذين يقل حضورهم، مقارنة مع فصل الصيف.
 ولا تؤجل قساوة البرد أشغال شاقة تتحملها النساء، إذ تجدهن منشغلات بتنظيف الملابس في مياه الوادي الباردة جدا، قبل أن يحملن “إزيكر”، وهو حبل تتحول معه المرأة الجبلية إلى وسيلة لنقل كل شيء: الحطب، وعلف الماشية من الحقول المجاورة للوادي، وأحيانا تنقل مواد غذائية كالدقيق أو قنينة غاز في حالة استعمال زوجها البغل لقضاء بعض الأغراض العائلية بعيدا عن الدوار.

شهران في البرد

تشتد موجة البرد القارس، في جبال الإقليم، في الفترة الممتدة ما بين يناير وفبراير، ويصبح الموت أقرب إلى السكان من الحياة، خاصة أن السلطات المحلية لم تضع بعد مشاريع لتعبيد المسالك وبناء قناطر لتسهيل نقل المواد الأساسية إلى الدواوير المعزولة أو للاقتراب من المستوصفات والمراكز الصحية، إذ غالبا ما يتم وضع المرأة الحامل على “محمل” لنقلها عند اشتداد المخاض بواسطة البغال إلى المراكز الصحية، إلا أن صعوبة الطريق تضطرهن إلى الوضع في الهواء الطلق.
ونظرا لاستمرار موجة الصقيع وتأخر الأمطار، ارتفعت مخاوف الفلاحين من تأثير هذه الظروف المناخية التي يمر بها الإقليم على محاصيلهم الزراعية، إذ تكبدت مجموعة من المناطق كآسني وامليل وأمزميز وتحناوت أضرارا مهمة في مزروعات البطاطس والزيتون وبعض الخضروات التي لا تتحمل درجات الحرارة المنخفضة. وساهمت موجات البرد القارس والصقيع في انتشار العديد من الأمراض بين الأطفال والمسنين بالمناطق الجبلية، خاصة في المناطق التي لا تتوفر على مراكز صحية.
واشتكى العديد من رجال التعليم من غياب المراحيض بالمؤسسات التعليمية، حيث يقضي الأطفال حاجاتهم الطبيعية في الهواء الطلق، تحت حرارة منخفضة جدا تخلف لهم أمراضا وأوبئة، في الوقت الذي يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة التي توفر لهم وجبة غذائية تتنوع ما بين العدس و السردين المعلب قد توفر لهم طاقة تساعدهم على العودة إلى البيت.
وأفاد رجل تعليم اشتغل لمدة تصل إلى عشرين سنة متنقلا بين العديد من جماعات الإقليم أن تساقط الثلوج بأوكايمدن والمناطق الجبلية المجاورة له يساهم في الهدر المدرسي خلال الفترة الممتدة من بداية شهر دجنبر إلى أواسط شهر فبراير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى