ملف الصباح

نفائس فاس العتيقة : بناء 13 قصبة لأغراض عسكرية

 “قصبة الجمال”المخصصة لتربية الإبل إلى حدود ستينات القرن الماضي تحولت  إلى حي سكني بعد اختفاء أثرها

لم تكن الأسوار وحدها المحصنة لفاس، بل شكلت الأبراج والقصبات واحدة من أوجه النشاط العسكري والحربي منذ الأدارسة الذين كانوا سباقين لبناء برجين عسكريين صغيرين، مرورا بحقب تاريخية لاحقة خاصة أيام حكم المرابطين الذين شكلت فاس على عهدهم “مركز حاميات عسكرية”لتنفيذ عمليات حرب كبرى غيرت تاريخ شمال إفريقيا وجنوب أوربا وامتدت جنوبا إلى نهر السنغال.  هذه الأسوار والقصبات والأبراج المزينة لمدينة فاس العتيقة من مختلف الجهات، التي تعتبر واحدة من المآثر التاريخية والحضارية التي تحظى بزيارة مهمة ووازنة للدارسين والسياح المغاربة والأجانب، تكشف براعة المغاربة في العمران والبناء وتمثل “مظهرا من مظاهر القوة العسكرية للدول التي تعاقبت على حكم المغرب”، جعلها “مدينة محاربة جيشت الجيوش لتحصين نفسها ضد الغزو”.  
والثابت من خلال الكثير من المصادر التاريخية أن العديد من قصبات فاس، التي يفوق عددها 13 قصبة بعدوتي القرويين والأندلس أو فاس الجديد، استعملت كثكنات عسكرية أو مقرا للسلطة المركزية، إذ لعب دورا عسكريا هاما في الاستعداد للحرب وقيادتها، وبعضها استغل سكنى وإقامة للقبائل المخزنية، فيما استقرت في أخرى تجمعات سكانية متقاربة الأصل أو مختلفة المشارب.
وضمن القصبات المخصصة للإسكان، قصبة “الحجوي”التي تحولت إلى حي سكني بعد اختفاء أثر القصبة القديمة بها. وهي متفرعة عن قصبة ابن دباب المعروفة قديما باسم “قصبة بوشويهة”أو “قصبة القايد سعيد”التي كان يقطنها قياد قبيلة اشراردة، وبها وجدت مطامير القبيلة وخزائنها، قبل أن تتحول حاليا إلى حي سكني مكتظ بالسكان تفرعت عنه عدة قصبات في ظروف تاريخية سابقة.
وضمن تلك القصبات المتفرعة عنها، “قصبة الجمال”المخصصة لتربية الجمال والإبل إلى حدود ستينات القرن الماضي، إذ تحولت بدورها مع مرور الوقت إلى حي سكني بعد اختفاء أثر القصبة، فيما ظلت باقي القصبات، مقرات عسكرية كما قصبة دار دبيبغ التي أعاد بناءها السلطان عبد الله العلوي وجعلها قصر إقامته لأهمية موقعها، لتستعمل لاحقا ثكنة عسكرية في عهد الحماية الفرنسية.
هذه القصبة العسكرية التي من اسمها سميت المدينة الجديدة ب”دار دبيبغ”توجد اليوم في وضعية إهمال، كما قصبات أخرى كالقصبة العسكرية تامدرت المشيدة بباب الفتوح من في سنة 1549 ميلادية على عهد السلطان المنصور السعدي الذي خصصها للحراسة والمراقبة من قبل الجنود، و”قصبة الشمس”الواقعة بين باب الدكاكين وقصبة الشمس في اتجاه باب بوجلود التاريخي.
وسميت بعض القصبات بأسماء قبائل مجاورة لفاس، ك”قصبة اجبال”الواقعة بالجنوب الغربي لحي الملاح قرب سور “باب لامر”المطل على ساحة التجارة والمقبرة اليهودية القديمة والحديقة العمومية القريبة من الملاح مركز إقامة اليهود المغاربة المستقرين بفاس، إضافة إلى “قصبة اشراكة”الموجودة بفاس الجديد التي خصصت قديما لإقامة جيش ومشايخ قبيلة شراكة ضاحية فاس.وتعرف هذه القصبة حاليا باسم “حومة البطاطحة”وتقع قرب حديقة جنان السبيل وحي للاغريبة بفاس الجديد بجوار القصر الملكي، فيما شكلت “قصبة شراردة”المبنية على عهد الدولة السعدية وجدد بناءها السلطان رشيد العلوي، نقطة استقرار لقبيلة اشراكة التي ناصرت هذا السلطان في حربه ضد أخيه السلطان محمد، قبل ترحيلها إلى الأراضي الموجودة بين وادي ورغة وسبو بقرية با محمد.
وتعتبر هذه القصبة المشرفة على المدينة القديمة وفاس الجديد والمستعملة مقرا لجيوش قبائل اشراكة والوداية واشراردة والمعروفة ب”قصبة شراكة”و”قصبة ظهر الخميس”، (تعد) قصبة ضخمة بها عدة أبراج للمراقبة والحراسة استعملت في الحماية الفرنسية “ثكنة عسكرية للفيلق السنغالي من الجيش الفرنسي”و”اقتطع منها الجزء الغربي في بداية الاستقلال، وأضحى مقر جامعة القرويين”.
وضمن القصبات التي استعملت لأغراض عسكرية، “قصبة الكدان”التي بناها الفتوح المغراوي الزناتي في منتصف القرن 5 للهجرة بعدوة الأندلس للدفاع عن عدوته ضد أخيه عجيسة حاكم عدوة القرويين، و”قصبة رأس عقبة الزعتر”التي بناها عجيسة للغرض ذاته، إضافة إلى “قصبة بوجلود”أو “قصبة الوادي”التي شيدها المرابطون لتكون ثكنة عسكرية واستعملها الموحدون للغرض ذاته.
ويقول ليون الإفريقي عن هذه القصبة التي اختطها يوسف بن تاشفين لجنده في مكان مطل على المدينة بعد دخوله المدينة في 1069 م ومنها انطلقت جنوده إلى الجزائر والأندلس، أنها “كانت تضاهي مدينة أخرى في الكبر”وشبهها بالمدينة العسكرية التي تجري فيها عمليات الإعداد للغزوات والمعارك، غير أن غالبية آثارها انمحت بعد قيام الموحدين بعدما هدمها عبد المومن بن علي الموحدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق